شبكة فدك الاخبارية نشاطات الرابطة بيانات الرابطة اعضاء الرابطة أنضم للرابطة اتصل بنا   الصفحة الرئيسية  
 

 

 

إنَّه حزبُ الله

"قصة النشوء والصعود والتحرير"

تأليف : محمود جابر

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تقديم بقلم د0 رفعت سيد أحمد :

حين تدلهم المحن، ويشدد ظلام الليل، تفتقد الأمة، (حزب الله) تبحث عنه، قيمة كانت أو دوراً، وفى أيامنا هذه ما أكثر المحن وما أشد قتامة الليل العربى، فها هو العدو أضحى داخل البيت؛ فى العراق، وفى فلسطين؛ لم يعد صراعه معنا من الخارج، بل بات من الداخل، وبات الصدام معه أشد وأعقد، وأطول 00 وفى هذه الأيام وبعد توالى سقوط الشهداء الى الرفيق الأعلى، من أحمد ياسين الى الرنتيسى مروراً بسيد شهداء الجهاد الاسلامى فى فلسطين الشهيد الدكتور فتحى الشقاقى، ومن صار على دربهم فى العراق ولبنان 00 فى هذه الأيام تتطلع الأمة الى حزب الله والى قائد هذا الحزب ، سماحة السيد حسن نصر الله، رمز الجهاد والايمان والعزة 0

ولكن 00 لماذا تحب الأمة، على اختلاف تياراتها واتجاهاتها السياسية (حزب الله) ؟ ولماذا تتلهف الى دوره والى القيم التى زرعتها تجربته فى تربة بلادنا العربية والاسلامية ؟ ولماذا يعلق أهلنا فى العراق وفلسطين – وبالطبع فى لبنان – الأمل على حزب الله فى أن يحقق لهم النصر ؛ سواء فى ساحة القتال أو فى ساحة (الأسرى) وتحريرهم ؟

الاجابة قطعاً معلومة، ولكن نحتاج كل حين الى تأكيدها وتذكرها ، فهذا الحزب أضحى رمزاً للخير والعزة ورمزاً للنصر والبأس على الأعداء، رمزاً للتواضع والصبر رمزاً للمقاومة فى أوسع معانيها 00وهى قيم نحسب ان أمتنا اليوم وسط هذه المحن والابتلاءات تحتاجها،بل وتجاهد فى سبيل تحقيقها على الأرض 0

ان حزب الله مثَّل عبر العشرين عاماً الماضية (إذ أن الاعلان الرسمى عنه كان عام(1984) تجربة ثرية اجتمعت فيها ونمت وتطورت قيم المقاومة والنصر كما دعى اليها اسلامنا وعروبتنا بل وانسانيتنا ؛ لذلك هو دائماً أضحى مثالاً يحتذى ويطلب كلما ادلهمت المحن والابتلاءات 0

لقد كانت تجربة انسانية ناجحة وفذة، حين استطاع هذا الحزب الفتى أن يحقق صعوداً كبيراً وعزيزاً على الغزوة الصهيونية الاجرامية التي اجتاحت لبنان حتى وصلت الى شارع الحمرا فى قلب بيروت عام 1982 فتم دحره تماماً يوم 25/5/2000 وهو اليوم الذى وصفته صحافة العدو الصهيونى بـ (يوم الذل فى اسرائيل) 00 حول هذه التجربة الثرية يأتى هذا الكتاب الوثائقى الهام للزميل العزيز الأستاذ / محمود جابر منسق اللجنة العربية لمساندة المقاومة الاسلامية فى لبنان بمحافظة الشرقية؛ وهو يأتى ضمن أعمال وأنشطة (اللجنة العربية)، التى تستهدف بث روح الأمل، روح المقاومة وثقافتها فى ضمير وعقل ووجدان شباب الأمة ، حتى لا ييأسوا أو يُحبطوا مما يجرى حولهم من أحداث جسام، سواء فى العراق أو فلسطين؛ هذا الكتاب الهام يقول لهم – تماماً مثلما تقول لهم باقى أعمال اللجنة العربية – أن الأمل فى نصر الله موجود وقائم، وأن تجربة حزب الله خير مثال على ذلك، وهذه الأمة قادرة على تكرار التجربة طالما فيها أمثال هذا الحزب المقاوم وأمثال تلك القيادة، التى تتولى أمرته بزعامة (حسن نصر الله)، ذلك القائد النموذجى الذى قدم ابنه شهيداً فى سبيل الله ، فى الوقت الذى يقدم فيه (بعض القادة) أولادهم لوراثة الحكم.

هذا هو الفارق؛ حزب، يمتلك ايماناً، وقيادة قدوة، ووعياً سليماً بأصول الصراع وطبيعته وترتيباً صحيحاً للأولويات؛ حتماً سينتصر، أما أولئك الذين يحرصون على الدنيا وعلى عروشهم وكراسيهم، وعلى أولادهم أكثر من حرصهم على أوطانهم وأمتهم فحتماً سيصابون بما هم فيه الآن من المهانة والذل، وهو ما يحدث اليوم – للأسف - فى أغلب بلادنا العربية المُبتلاة بهم 0

* ان هذا الكتاب يقدم للقارىء العربى، ملخصاً وافياً لتجربة حية، تجربة ثرية، ملئوها العزة، والكرمة، تجربة حرصت على الموت، فوهبها الله (الحياة)؛ انها تجربة تستحق أن تروى وأن تحتذى وسط قطع الليل البهيم الذى يلف الأمة هذه الأيام، انها تجربة الفجر حين يتنفس00 وينتصر

* انها تجربة حزب الله ‍‍‍‍‍‍‍00 فماذا عنها ؟

 

 

 

المقدمـة

* منذ ما يقرب من عشر سنوات ونحن فى (اللجنة العربية لمساندة المقاومة الاسلامية فى لبنان) نحمل بشائر النصر الى أمتنا بعد أن سقط العديد من حكامها تصفيقاً للمسرحية الأمريكية :(نحن منهزمون وفلسطين محتلة !!)0

 * نحمل البشارة من خلال سواعد وعقول أشقائنا فى المقاومة الاسلامية فى لبنان (حزب الله) والتى استطاعت بإمكانياتها الذاتية المتواضعة أن تقهر الجيش (الذى لا يقهر) ، وأن تدوس على النياشين العسكرية الصهيونية فى طين الجنوب، وأن تُفشل كل المشاريع التى تم رسمها من جانب الاستكبار العالمى لجعل لبنان جزءاً من المشروع الصهيونى الغربى 0

 *كان انتصار حزب الله طاقة نور فى سقف العرب المظلم منذ عقود وكان مشروعه المستقبلى والحضارى (المقاومة) قد لاقى استحساناً عربياً واسلامياً ، كل هذا جعل جموعاً كثيرة من المشتغلين بالسياسة والثقافة العربية تتساءل عن حزب الله وعن المقاومة ؟

 وهذا الكتاب (إنه حزب الله 00 قصة النشأة والصعود والتحرير) يحمل الاجابات عن التساؤلات الكبرى التى كنا ومازلنا نتلقاها عن حزب الله وهويته ومشروعه العالمي 0

هذا الكتاب يتناول النظام السياسى اللبنانى ومثالبه الطائفية، ويوضح الظروف التاريخية والسياسية التى مهدت وساعدت على الاجتياح الصهيونى للبنان عام 1982 0

وفى هذا الكتاب تأريخ لجذور المقاومة الاسلامية (حزب الله) وكيف نشأت؟ وما هو دور الجمهورية الاسلامية الايرانية فى هذه النشأة ودور الامام الخمينى ؟ هذا فضلاً عن قيامنا بنشر العديد من الوثائق التى تخص الحزب كبرنامجه السياسى وهيكله التنظيمى وبرامجه المحلية 0

أما بالنسبة لخطة البحث فى الكتاب فلقد أوضحنا وعبر ثلاثة فصول كيف نشأ الحزب وكيف بلغ مرحلة المقاومة والصمود وكيف انتصر ، محاولين أن نقدم نموذجاً حزبياً وشعبياً اسلامياً يتعاطى مع هموم الأمة وأوجاعها دون الدخول الى صغائر الأمور التى تضيع الجهد وتغرق الجمع إن (اللجنة العربية لمساندة المقاومة الاسلامية فى لبنان) تقدم هذا الكتاب دليلاً ومثالاً حسناً لكل الذين يبحثون عن تحرير أوطانهم المستلبه ، عسكرياً بفعل الاحتلال أو المستلبة فكرياً بفعل الاختراق والتطبيع والاستبداد ، وكلنا أمل أن نكون قد وفقنا 0

وفى الختام نهدى هذا العمل لكل المقاومين الأحرار من أبناءنا والى المعلم والدليل السيد (المغيب) موسى الصدر والى قائد الانتصار العظيم وحزبه سماحة السيد حسن نصر الله 0 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين 0

 
 

الفصل الأول

لبنان الموقع والأحداث وحزب الله

 تقع لبنان فى قارة آسيا فى الجانب الغربى على الساحل الشرقى للبحر المتوسط يحدها من الشمال والشرق سوريا ومن الجنوب فلسطين المحتلة ومن الغرب البحر المتوسط وتبلغ مساحتها 10452 كلم2 وعدد سكانها 4 ملايين نسمة تقريباً 0

 

الطبيعة السياسية والاجتماعية للنظام :

نال لبنان استقلاله رسمياً عام 1943 بعد فترة من الوقوع تحت الانتداب الفرنسى أعلنت الدولة عام 1920 بعد توقيع اتفاقية سايكس بيكو التى قسمت البلاد العربية بين مناطق، ودويلات تقاسم النفوذ فيها كل من انجلترا وفرنسا ، والنظام السياسى نظاماً جمهورياً برلمانياً ورئاسياً، غلبت عليه السمة الرئاسية حتى عام 1989 حتى (مؤتمر الطائف) الذى أعطى صلاحيات أكثر لمجلس النواب ،ورئيس الوزراء مع الإبقاء على الكثير من الصلاحيات لرئيس الجمهورية الذى ينتخب بأغلبية ثلثى أعضاء مجلس النواب ، ويشترط فيه أن يكون لبنانياً مارونياً ، وينتخب لست سنوات ولا يجوز اعادة انتخابه الا بعد انقضائها 0

أما رئيس الوزراء فيقوم الرئيس بتعيينه ولا يوجد قيد على الرئيس فى الاختيار سوى ان يكون من المسلمين السنة 0

والنظام النيابى (البرلمان) يتم اختيار أعضاء مجلس النواب اللبنانى عن طريق نظام انتخابى فردى وسرى مباشر، ويراعى النظام الانتخابى تمثيل الطوائف والانتخاب حق لكل مواطن ذكر أو أنثى، ورئيس البرلمان من المسلمين (الشيعة) والنظام الحزبى اللبنانى يقوم على أساس التعدد ويوجد فى لبنان عدد كبير من الأحزاب السياسية يصعب حصرها، وتتضاءل أهميتهم نظراً لكثرة عددهم، وسيادة الطائفية، ووجود زعامات محلية ودينية قوية، خارج الأحزاب هذا بالإضافة للأزمة التى تمر بها أحزاب اليمين واليسار من تجديد الخطاب أو استحداث الآليات السياسية والبحث عن جماهير وقواعد للحزب 0

محطات تاريخية

 1969 : اتفاق القاهرة الذى نص على تنظيم الوجود الفلسطينى فى لبنان وشرع الكفاح المسلح0

 1973 : مواجهات دامية بين الفصائل الفلسطينية والجيش اللبنانى 0

 1975 : يوم 13 نيسان (أبريل) : ارتكبت مجزرة بحق ركاب باص فلسطينى انطلقت بعدها شرارة الحرب اللبنانية وعرف بحرب السنتين 0

 1977 : هدنة بين المتحاربين ودخول القوات العربية الى بيروت لتبقى بعد فترة القوات السورية وحدها 0

 1978 (آذار / مارس) : القوات الاسرائيلية تتقدم حتى مشارف مدينة صور بهدف معلن وهو إخراج منظمة التحرير الفلسطينية 0

1978 (آب / أغسطس) : اختفاء الامام موسى الصدر فى ليبيا ونشوب صدام مسلح بين الفصائل الفلسطينية وحركة أمل 0

1982 (حزيران / يونيو) : اجتياح الجيش الاسرائيلى للبنان ووصول القوات الاسرائيلية الى بيروت وخروج ياسر عرفات وأنصاره 0

1982 (حزيران / يونيو) : الامام الخمينى يرسل فرق من الحرس الثورى لمساندة اللبنانيين فى مقاومة الاحتلال الصهيونى 0

 

1982 : مجزرة مروعة ارتكبها الجيش الاسرائيلى بمساعدة بعض فصائل المسيحية والميليشيات راح ضحيتها الآلاف من المواطنين فى مخيمى صبرا وشاتيلا فى بيروت 0

1982 : انتخاب أمين الجميل رئيس للجمهورية بمعاونة وضغط اسرائيلى0

  

لبنان والمشروع الصهيونى :

رغم العناوين الكثيرة والتفصيلات المؤلمة التى تعرض لها المسلمون منذ تحلل الخلافة تحت سنابك خيل التتار فى بغداد والحملات الصليبية فى الشام ومصر، الا أن ما حدث بعد اتفاقيات سايكس بيكو كان شديد الوطأة على المسلمين، فهذه الاتفاقية كانت تقضى بالتسلط على الشرق، وتقسيمه الى أماكن نفوذ بين القوى الغربية وعلى رأسهم انجلترا وفرنسا، كما كانت تقضى هذه الاتفاقية القضاء على الخلافة الاسلامية وشق الجسد العربى والاسلامى حتى يستحيل رتقه، أو إعادة توحيده ومن هنا التقى الحلم الصهيونى مع خطط الامبريالية ليحدد مكان التنفيذ وهى تلك البقعة التى تربط بين الشرق العربى والاسلامى فى آسيا، والغرب العربى الاسلامى فى أفريقيا هذه البقعة صاحبة التمايز السياسى والتاريخى والحضارى والدينى للمسلمين والعرب (فلسطين) 0

كانت خسارة فلسطين امتداداً للخسارة التى لحقت بالمسلمين والتى شكلت عاملاً جديداً من عوامل البحث عن امكانية استعادة الذات فاندلعت الثورات وظهرت حركات تحرر لم تفلح فى الوصول الى أهدافها، وبقيت قاصرة عن تحقيق الطموحات الجماهيرية، لأسباب عدة وجوهرية لعل منها غياب الاستراتيجية، أو عدم وضوحها، وبذلك وقعت فريسة فى أيدى المخططين الكبار كانت مازالت لبنان أحد الأصقاع التى تمثل جزء من المشروع الصهيونى للوصول الى مياه نهر الليطانى لرى الجليل الأعلى والحصول على الطاقة الكهرمائية وهذا السبب الأول، والثانى أن لبنان هى ضمن الدولة الصهيونية المزمع انشاؤها من النيل الى الفرات 0

استطاعت اسرائيل كخطوة أولى السيطرة على نهرى الحصبانى والوزانى، ثم مارست ضغوطاً سياسية ودولية لمنع لبنان من الاستفادة من مياهه، كما فى قضية مشروع الليطانى0 هذا بالاضافة إلى سببين آخرين هما : الارتباط التاريخى الذى لن يجعل لبنان تقف موقف المتفرج لكون المجموعة البشرية التى تشكلت منها دول المنطقة كانت قبل وقت قصير تمثل وحدة جغرافية وسياسية واحدة 0

الثانى / الخطر المحدق باسرائيل والذى مثلته المقاومة الفلسطينية التى كانت أول مقاومة منظمة ذات قيادة سياسة وعسكرية، وتعتمد على مركز انطلاق خارجى (لبنان) وامتداد داخلى فى فلسطين وتمارس عملاً مسلحاً لا ينحصر فى البقعة المحتلة فقط واستطاعت قواتها العسكرية من السيطرة على الأراضى اللبنانية، واتخاذها دولة داخل دولة فيما عرفت بدولة (الفكهانى) وأصبح لها صفة المؤسسة الرسمية ، لتطل منه على صراعها المسلح مع الدولة الصهيونية، واستطاعت ان تستقطب فى صفوفها أعداداً متزايدة من أبناء البيئة الشعبية التى عملت فيها خاصة الشبان الجنوبيين الذين انخرطوا فى صفوفها وتشكلوا فى تنظيماتها المختلفة، فالجنوب الذى يضم بين قراه ومدنه تلك المجموعة السكانية التى تحمل فكراً دينياً وقومياً متطوراً فى السياسة والثقافة بالإضافة الى الرصيد الكبير من المقاومة بما يسمح له ان يكون رقماً مستقبلياً لحساب البلاد العربية والاسلامية 0

هذا الذى سبق هو ما دفع القوات الاسرائيلية فى آذار (مارس) 1978 للتقدم الى مشارف مدينة صور كان أحد أهدافها إخراج منظمة التحرير الفلسطينية ولكى تحقق من خلاله أهدافاً متصلة بالرؤيا الاسرائيلية ووفقاً لقواعد أيديولوجية وسياسية وتوسعية جغرافية تتصل بالماء والأرض والأمن 0

أنتج الاجتياح الاسرائيلى مناخاً متقلباً خلط الوقائع والأحداث اللبنانية ودفع الى حالة من حالات الانقسام المناطقى والطائفى 0

هذه الحالة دفعت باسرائيل لتوسيع نفوذها فى لبنان من خلال الهجمات على القرى والبلدات مما يزيد معاناة السكان ، تبعها هجوماً جوياً اسرائيلياً على لبنان فى تموز (يوليه) 1981 أعقبه زيادة تدخل فى الأوضاع اللبنانية عن طريق التحالف العسكرى الذى أنشأته مع الميليشيات المسيطرة على الشطر الشرقى للعاصمة وفى الوقت الذى بلغ فيه القتال المحلى مبلغاً ، انهك العاصمة بيروت والمناطق الجنوبية 0

كانت المساحة المستباحة من قبل سلاح الجو الاسرائيلى تتجاوز الهدف الأمنى الى الهدف السياسى حتى توقع الحكومة اللبنانية على كل الشروط الاسرائيلية 0

 تم تشكيل مجلس حرب مصغر وحشد قوات عسكرية ضخمة على الحدود الشمالية فى حالة تأهب قصوى وتهديد سافر بعمل عسكرى فى الأراضى اللبنانية كما زودت الميليشيات المسيحية بأسلحة لمساعدتها فى القتال ضد الفلسطينيين وجموع اليسار 0  

على الجانب الآخر كان المشهد الاقليمى فوق بركان مشتعل حيث الحرب العراقية الايرانية قد استعار أوزارها وفى هذه الأثناء بدأت اسرائيل اجتياحها للأراضى اللبنانية فى 6 حزيران (يونيه) 1982 ووصل الجيش الاسرائيلى بيروت فى اليوم الثالث لتبدأ مرحلة جديدة0

الجنوب اللبنانى (جبل عامل) :

 أخذ جبل عامل اسمه من قبيلة عاملة اليمنية التى خرجت الى الشام عند سيل العرم ونزلت بالقرب من دمشق فى جبل هناك يعرف بجبل عامل فى القرن الثالث الهجرى يتمتع جبل عامل بموقع استراتيجى مهم بالرغم من كثرة الآراء فى حدوده ، فهو من جهة يشكل امتداد لسلسلتى جبال لبنان الغربية والشرقية ، ومن جهة اخرى فهو فى الوسط بين جبل لبنان وسوريا وفلسطين ، فحدوده الجغرافية ثابتة اما حدوده السياسية فمتغيره وفقاً للأوضاع الاقليمية ولكن تبقى أواصر العلاقات والصلات التى تربط بين أهل ذلك الجبل جميعاً 0

ويتشكل جبل عامل من عناصر دينية ومنهجية متنوعة يغلب عليها العنصر الشيعى الذين يتأمرون بأمرة علمائهم، ومرجعيتهم الذين قادوا مجتمعهم فى كل الظروف المختلفة ويرتبط هذا الدور بالفهم الشيعى والاسلامى لموقع الدين فى حياة المجتمع إذ يتولى علماؤه شرح الدين مرتبطاً بالسلوك والأخلاق والسياسة والحرب، وكل أشكال الحياة الاجتماعية الاخرى،وأسسوا قاعدة صلبة توارثتها الأجيال جيل بعد جيل منذ ان تأسست على يد (الشهيد الأول) الشيخ محمد بن مكى الجزينى الذى جعل من جزين مدرسة علمية دينية لنشر أفكاره ولتعميم التعليم الدينى فى جبل عامل ، فضلاً عن سعيه لبعث نهضة علمية شيعية تستعيد مركز جبل عامل السياسى ، وكانت فلسفته تقوم على رؤيا واجتهاد فقهى لنظام الحكم ركيزتها الفقهاء أو ما أسماه (نائب الامام) بما لها من مدلول سياسى وفقهى لكن سلطة الحكم المملوكى تأمرت عليه فقتلته بعد محاكمة صورية قبل أن ينتهى من تأسيس نظريته ويباشر تطبيقها وبدأت السلطة تتعقب العلماء مما دفعهم للجوء الى ايران بعد ان سقط (الشهيد الثانى) الشيخ زين الدين بن على الجبعى ، كانت سنوات الاضطهاد تدفع العلماء والطلاب الى الهجرة لايران والعراق فنشأ ترابط بين المراكز الدينية والعلمية الثلاث فى قم ، والنجف ، وجبل عامل ، وبرز علماء لبنانيون ذاع صيتهم فى آفاق العالم الاسلامى ، واتخذوا لهم من جبل عامل موطناً لهم كان من أمثالهم السيد عبد الحسين شرف الدين ، والسيد محسن الأمين ، وبعد ان تغير الحال من الحكم العثمانى الى الاستعمار الغربى كانت وقفة علماء الدين موقف الرافض فكانت دعوتهم للوحدة فى اطار الدولة السورية وحكومتها العربية ورفضوا التجزئة الاستعمارية، ولم تنته احتجاجاتهم ورفضهم الا بعد جلاء المستعمر وقيام الدولة اللبنانية المستقلة، مع قيام الكيان الصهيونى وتحديد الحدود اللبنانية قام السيد موسى الصدر بالتحرك بين الناس وحثهم على الصمود وحماية الحدود وكان الامام هو أول من باشر بنفسه تأسيس خلايا للمقاومة 0

 

الإمام السيد موسى الصدر :

برز دور الامام الصدر على مسرح الأحداث وبعث فى الناس روح العداء لاسرائيل وقام رفضه على أساس الامتناع عن التعامل معها ورفض وجودها باعتبار (التعامل معها حرام) وأنها ( شر مطلق ) 0

تمكن السيد الصدر من تشكيل المجلس الاسلامى الشيعى الأعلى ، الذى صدر بقانون من مجلس النواب نصت مادته الأولى ( أن الطائفة الاسلامية الشيعية مستقلة فى شئونها الدينية وأوقافها ومؤسساتها، ولها ممثلون يتكلمون بلسانها ويعملون باسمها، طبقاً لأحكام الشريعة الغراء ولفقه المذهب الجعفرى وللفتاوى الصادرة عن مقام المرجع العام للطائفة فى العالم) وقد جمع السيد الصدر فى المجلس كافة الاتجاهات الشيعية حتى يتمكن من بناء قاعدة عريضة لقيادة الوضع الشيعى، لبناء تيار سياسى يمتد ليشمل كل المحرومين فى لبنان لتحقيق العدالة الاجتماعية والتأكيد على التعايش السلمى بين التعددية اللبنانية 0

أقام السيد علاقات مع مختلف الاتجاهات السياسية فى لبنان، وأسس الحوار الاسلامى المسيحى، مما أكسبه شعبية لبنانية بارزة، وفى عام 1974 ترجمة حركة المحرومين الى حركة (أمل) 0

نمت الحركة نمواً كبيراً وبشكل طبيعى وأخذ الامام يدرب المجموعات العسكرية والتى كان واجبها مقاومة الاحتلال الاسرائيلى فبعث بهذه المجموعات للتمركز العسكرى فى الجنوب بقيادة مصطفى شمران (أصبح وزير للدفاع فى ايران بعد الثورة) وطرح فكرة اقامة (مجتمع الحرب) من خلال بنية عسكرية واقتصادية وانمائية تهدف الى بناء منظومة دفاع ذاتى مادام هناك غياب كامل من الدولة المركزية وقد شاركت فعلياً فى قتال القوات الاسرائيلية على الحدود، أدى اندلاع الحرب الأهلية بالامام الى ان يعمل عملاً دؤوباً لا يتوقف وسحب الأسلحة الى المخازن حتى يتجنب القتال مع القوات العسكرية الفلسطينية وفى ظل هذه الأحداث قامت اسرائيل فى آذار (مارس) 1978 باجتياح الجنوب اللبنانى مما دفع بالامام ان يسافر ويتحرك وقادته هذه الحركة فى آب (أغسطس) 1978 الى ليبيا فاختفى الامام فى عملية خطف غامضة ، مما دفع قادة حركة (أمل) الى تحريك الناس الى القتال بينها وبين المنظمات الفلسطينية وبعض أحزاب اليسار ، ومن أقواله (إن معركتنا ذات وجوه كثيرة، فهى معركة طويلة الأمد ، انها معركة الماضى والمستقبل، معركة المصير، وهذا يعنى أن المطلوب منا هو الاستعداد ليس لأجل الأيام والأسابيع القادمة بل للسنوات ولعشرات السنوات على جميع الجهات وبكل المستويات ومع جميع الطاقات).

 

ولاية الفقيه :

         استقبل الشارع اللبنانى (الجنوبى) أنباء انتصار الثورة الاسلامية فى ايران بارتياح وبهجة واعتبرها قوة روحية تقف الى جانبهم فى مواجهة عدوهم (اسرائيل أمريكا) نظر الشيعة فى الجنوب اللبنانى الى الثورة باعتبارها تؤسس نواة دولة الاسلام المركزية فى العالم والملتزمة بأوامر الولى الفقيه الجامع للشرائط 0

لم يكن هذا الابتهاج وليد الثورة الاسلامية فى ايران، وإن كانوا أول من وضع الأسس النظرية للتطبيق لها، فمنذ الغيبة الكبرى للامام محمد بن الحسن (المهدى المنتظر) والعلماء يبذلون جهد فى التفتيش عن بدائل لقيادة المجتمع ومحاولة الوصول الى نموذج متكامل لتعويض الفراغ الذى تركه أئمة أهل البيت (ع) حتى برزت الفكرة فى القرن الرابع عشر الميلادى على يد الشيخ محمد بن مكى الجزينى (الشهيد الأول) وقبل ان يحقق الرجل مهمته احتجزته السلطة ثم أعدمته بطريقة مأساوية فى محاولة منها لوأد الفكرة لكن الفكرة أخذت تنتقل من جيل الى جيل ويزيد فيها العلماء تبحراً حتى جاء الامام الخمينى الذى وصل بها وعبر الثورة الاسلامية فى ايران الى سدة الحكم ليكون الولى الفقيه الجامع للشرائط والواجب للطاعة من عامة المسلمين ، كان الارتباط اللبنانى بالثورة نابعاً من ايمان شيعة الجنوب بتلك الفكرة التى أطلقها الشهيد الأول، وقبل عام 1982 كانت العلاقة بين الاتجاه الاسلامى فى لبنان والامام الخمينى علاقة معنوية أدت الى جو ايجابى ظل ينمو مع مرور الوقت، وذلك لأن الامام لم يكن على صلة مباشرة باللبنانيين الذين كانوا مرتبطين آنذاك بحوزة النجف التى كان السيد محمد باقر الصدر مرجعها ووجهها المشرق 0

فى حزيران (يونيه) 1982 استضافت العاصمة الايرانية طهران مؤتمراً للحركات الاسلامية بمناسبة يوم المستضعفين فى العالم والذى يصادف الخامس عشر من شهر شعبان ذكرى ميلاد الامام الثانى عشر الامام محمد بن الحسن (المهدى المنتظر) وحضر ممثلين عن القوى الاسلامية وشخصيات علمائية لبنانية من مختلف المناطق ، وما ان باشر المؤتمر اعماله حتى بدأت تصل الى ايران تباعاً أخبار الاجتياح الصهيونى للبنان ، وخيم على المؤتمر عنواناً رئيسياً آخر هو (اجتياح اسرائيل للبنان) وفى احدى جلسات المؤتمر القى رئيس مجلس الشورى آنذاك الشيخ هاشمى رفسنجانى كلمة أعلن فيها للحاضرين ارسال وفد عسكرى سياسى الى سوريا للبحث مع المسئولين السوريين كيفية مواجهة الاجتياح ، وسرعان ما عاد الوفد الى طهران ليعلن على لسان قائد الحرس الثورى موافقة سوريا على السماح لوحدات من الحرس الثورى لعبور الأراضى السورية الى لبنان للمساعدة فى التصدى للاحتلال الاسرائيلى 0

عاد الوفد المشارك فى أعمال مؤتمر طهران وكان عليه أن يواصل الليل بالنهار من أجل تهيئة المناخ وإعادة الثقة للناس ويبشرونهم بقدوم جند الامام الخمينى مما رفع الروح المعنوية عند جموع الناس عامة والجنوبيين الشيعة خاصة ، كان لهذا العمل أثراً إيجابياً بعد شهر أثمر هذا فى تغيير الحالة النفسية للناس فعملوا على إزالة الرايات البيضاء التى كانت ترفع فوق أسطح المنازل ، وقد توجه وفد الى طهران للقاء الامام الخمينى وتحدث حينها السيد عباس الموسوى عن الظروف التى يعيشها لبنان ، وعزمهم على مواجهة المشروع الصهيونى وكان جواب الامام ان المهم هو العمل ومرحلتكم مرحلة كربلائية لا تنظر وأقطف الثمار فى حياتكم 0ظل هذا الموقف والرعاية، منذ بدء الاجتياح حتى وفاة الامام الخمينى وتواصل ذلك مع ولاية آية الله السيد على خامنئى لأن الأمر يرتبط بالمنهج والفكر الذى يحدده الشرع وهى العلاقة بين الأمة والولى الفقيه من أجل مواجهة التحديات التى تعترضهم واعادة الشخصية الحقيقية للمسلمين حتى ينجز المشروع الاسلامى العالمى 0

 

الحرس الثورى :

كان الامام الخمينى يقول (يجب ان نقف فى مواجهة اسرائيل والمعتدين ، بكل قدراتنا المعنوية والمادية ، ويجب ان نقاوم وبرجولة جميع السفاكين)0

حينما وصل الحرس الثورى واستقر فى البقاع وقد توفرت معسكرات التدريب وأماكن السكن وكل شىء قد أعد من قبل العلماء كانت أوامر الامام الخمينى تحدد مهمة الحرس فى " اعداد اللبنانيين وتعبئتهم جهادياً وثقافياً ، لخوض الحرب وتحرير لبنان من المحتل " 0

 ومن مسجد الامام على (ع ) فى بعلبك بدأت مهمتهم تدفقت قوافل الشباب لتسجيل أسمائهم فى دورات تدريبية عسكرية وثقافية فى ظل تزاحم شديد من كل الجهات الاسلامية وغيرها فى حالة عارمة من الرغبة فى الانعتاق من الاحتلال الصهيونى 0

كان العلماء فى طليعة المتطوعيين وكان فى طليعة العلماء السيد عباس الموسوى (وسيد شهداء الجنوب) والذى أصبح فيما بعد الأمين العام لحزب الله حتى تم اغتياله على يد القوات الصهيونية فى الجنوب فى 16 شباط (فبراير) 1992 0

نجح الحرس الثورى فى نقل تعاليم الثورة الاسلامية من خلال فكر الامام الخمينى الى العلماء والشبان المتأثرين والمتحمسين حتى تُرجمت الى عمليات عسكرية واسعة فى جميع المناطق اللبنانية التى سيطر عليها الاسرائيليون فى العاصمة بيروت 0

تمركزت قيادات ميدانية للإشراف على المجموعات المقاومة ونظراً لسيطرة القوات المحتلة كانت الرسائل تنقل بأشكال عدة أما شفهية أو مرمزة أو بطرق اخرى عديدة ظلت هذه المجموعات تقوم بعملياتها ودون الاعلان عن هويتهم أو اسم الجبهة التى تقوم بالتنفيذ حتى توفر جواً من الكتمان والسرية حتى يشب الوليد العملاق : حزب الله 0

 

حزب الله

المرحلة الأولى (الولادة)

 عندما تحصنت المجموعة التى قاتلت الجيش الاسرائيلى على مشارف الضاحية الجنوبية فى خلدة واتخذوا لأنفسهم من خلدة وكلية العلوم مجالاً للتعبير بالاضافة الى المجموعة التى كانت نشأت فى المساجد والحسينيات0

 التقوا جميعاً فى معسكرات التدريب التى كان يشرف عليها الحرس الثورى فى البقاع وغيرها كان الجميع يرغب فى عمل يتصدى به للعدو 0

بدأت تظهر عمليات بسيطة كزرع عبوات ناسفة ، أو إلقاء قنابل يدوية على دوريات اسرائيلية دون أن يكون هناك اطار تنظيمى أو قيادة موحدة ، واستمر هذا الأداء غالباً فى المرحلة التأسيسية الأولى ، مجموعات متفرقة ترتبط برباط عقائدى وتجتمع على هدف مشترك 0

كانت هذه المجموعات مختلفة كلياً عن كل الحالات الاخرى ، حيث أن الأحزاب التى شاركت فى المقاومة لم تتشكل فى الأصل لمقاومة الاحتلال ، وإنما هى أحزاب سياسية لبنانية اتخذت ميليشات مسلحة خلال الحرب الأهلية فرضت عليها ظروف الاجتياح المواجهة مع اسرائيل ثم انكفأت سياسياً وتوقفت مقاومته بعد ذلك 0

لكن المقاومة الاسلامية بدأت كمقاومة لا تنظيم سياسى له جناح عسكرى أو ميليشيا مسلحة ، وانما كانت قوة مقاتلة تشكل لها تنظيم سياسى ، وبذلك فهى لم تقم بعمل عسكرى تحاول توظيفه سياسياً أو تبرزه اعلامياً ، توالت الضربات المتلاحقة للجيش الاسرائيلى فى بيروت والجبل والجنوب مما دفع الجيش الى تنفيذ سلسلة من العمليات المتكررة لدهم الأحياء بحثاً عن سلاح أو عناصر منتمية الى أحزاب اليسار أو المنظمات الفلسطينية ، لعدم إدراكهم فى حينها أن العناصر الاسلامية قد أصبح لها هذه القدرة العالية على تنفيذ مثل هذه العمليات 0

عقدت اسرائيل العزم على ان تدفع لبنان لتوقيع عقد إذعان لها (سلام) ، وساعدها على ذلك عدم ممانعة الرئيس أمين الجميل الذى نشط فى محاولة ضمان عدم معارضة عربية له 0

كان الغضب الشعبى اللبنانى يتصاعد حتى دوى انفجار عنيف هز مدينة صور ، ودمر مقر الحاكم العسكرى الاسرائيلى ، وأسفر الانفجار عن مصرع عشرات القتلى والجرحى من الضباط والجنود ووصفه رئيس الأركان الاسرائيلى رفائيل إيتان بأنه (ناجم عن ضعف بالبناء) كلف مجلس الوزراء الاسرائيلى لجنة تحقيق خاصة ووصفته فى حينه بأنه عمل انتحارى (استشهادى) 0

كان منفذ العملية شاب من بلدة دير قانون النهر اسمه أحمد قصير عن طريق سيارة مفخخة ماركة (بيجو) تم تفخيخها بكميات كبيرة من المتفجرات وقذائف غير منفجرة من مخلفات الاجتياح ، ولم تعلن المقاومة مسئوليتها عن العملية ، هذه العملية احتاجت الى المتابعة والرصد ، وجهاز متفرغ يتابع كل التفاصيل وهذا إن دل على شىء ، فإنه يدل على وجود تنظيم له قدرة كبيرة على إحداث مثل تلك العمليات ، ولكن كان الرأى وقتها عدم الكشف عن العملية حتى لا يتم اكتشاف التنظيم قبل اكتمال بناءه ولذلك كان الاسرائيليون يحاولون القبض على عناصر اليسار اللبنانى أو أعضاء المنظمات الفلسطينية 0

أعلنت بعض الأحزاب مسئوليتها عن بعض العمليات التى كانت تقوم بها المقاومة لمحاولة كسب مساحة سياسية من جراء هذا الادعاء 0

واستفاد الحزب من سرية عملياته فى المرحلة الأولى الا انه دفع ثمن ذلك تهميشاً له فى الحياة السياسية اللبنانية وفى معادلة موازين القوى الداخلية وبقى يدفع هذا الثمن لسنوات طويلة قبل ان تتمكن المقاومة الاسلامية من استعادة ذلك 0

بموازاة النشاط العسكرى فى مناطق الاحتلال ، كانت التحركات ناشطة لإيجاد اطار سياسى يجمع تلك المجموعات ، بعدما أنجز علماء دين وشخصيات مدنية صيغة تجمع بين الاتجاهات المتعددة سواء الذين انشقوا من حركة أمل ، أو حزب الدعوة ، ولجان المساجد ، وتجمعات علمائية ، وأفراد مستقلون عينت كل مجموعة من يمثلها فى الاجتماع التحضيرى الأول فالتقى تسعة مندوبين يمثلون فى هذه الاتجاهات أطلق عليهم اسم (لجنة التسعة) ووضعت وثيقة تشمل مبادىء أساسية قاعدتها الالتزام بولاية الفقيه ، وقتال اسرائيل 0

شكلت هذه اللجنة (اللجنة خماسية) وسميت باسم (شورى لبنان) تشكل منه وفد برئاسة السيد عباس الموسوى لمقابلة الامام الخمينى واستمع الامام للوفد وشرحوا له ما توصلوا اليه وخاطبهم بقوله (المهم هو العمل) وأصبح الامام الخمينى قائداً وولياً اجتمعت كلمة تلك القوى على مبايعته والالتزام بطاعته 0

أخذت البيانات تصدر باسم (حزب الله وعلماء البقاع) كعنوان واحد ، وفى بيروت كان الاسم المتداول (تجمع علماء المسلمين) ولم يستقر الرأى حينها على تسمية وظلت البيانات تصدر بالاسمين معاً فقد كان هناك رأى ذهب الى اتخاذ اسم علمائى ، وآخر ذهب الى تسمية سياسية ظل هذا النقاش مستمر حتى آيار (مايو) 1984 تم اعتماد الاسم (حزب الله) 0

واتصاف المقاومة التى قادها حزب الله بالاسلامية لا يلغى مضمونها الوطنى باعتبار ان الدين الاسلامى يحمل بعداً وطنياً ، ولكون الدين أوسع اطاراً من حدود الوطن ولا يحجب غير المسلمين عن المشاركة فى المقاومة بأسمائهم وهوياتهم السياسية لتتجمع الهويات كلها والخصوصيات تحت عنوان واحد هو المقاومة 0

بمرور الوقت تقلص الفارق بين المعنيين الوطنى والدينى وصار أكثر التصاقاً بالناس بعد تفكيك الميليشيات وأدوات الحرب الداخلية وانتفاء التنافس بين الفصائل والميليشيات 0

 كان للخطاب الاسلامى (حزب الله) تأثيره فى إمكانية التلاقى والقفز فوق الحواجز النفسية والحساسيات المناطقية والطائفية ، وبذلك تحقق الهدف وتشكل مجتمع الحرب والنهوض فى مواجهة الاحتلال وأصبحت الساحة الداخلية أكثر حصانة امام أى اختراق صهيونى 0

كانت الشورى قد حصلت على تأييد الولى الفقيه (الامام الخمينى) وبدأت فى رسم واعادة تنظيم المجموعات وتحديد الروابط بينهم وتأسيس البنية الداخلية من خلال : خلايا صغيرة فى القرى – قطاعات – مناطق وكانوا كلهم مرتبطون بالعنوان الكلى (المقاومة الاسلامية حزب الله) بدأ تنظيم الوضع الداخلى من أجهزة مدنية وعسكرية ، وكانت كل المؤسسات فى خدمة المقاومة بالإضافة الى المهام اليومية والتنظيمية 0

لم تكن النشأة الأولى للحزب شىء هين نظراً لما كانت تمر به لبنان من ظرف استثنائى معقد ، فقد قامت القوات اللبنانية بعد عدة عمليات وحملات اعتقال لمنع مثل هذه التفجيرات والعمليات العسكرية ضد اسرائيل ، وحاولوا هدم مسجد الرسول الأعظم فتفجرت موجة من الغضب والمظاهرات استطاعت أن تقتحم سراى بعلبك وإذاعة بيان يندد بالاحتلال وحدث أول صدام عسكرى مع الجيش فى لبنان قرب بريتال ، وتم مخاطبة الجيش بالتزام ثكناته لأنه لا يقاوم اسرائيل 0

واستطاعت المجموعات التابعة للمقاومة الاسلامية السيطرة على الوضع الأمنى فى بعلبك بعد عرض عسكرى منظم احتفالاً بيوم القدس 1983 ، ودخلت المسيرة الثكنة العسكرية للشيخ عبد الله فى بعلبك وخطب السيد حسن نصر الله " ان السلطة تريد ان تحول جنودنا فى مؤسسة الجيش الى خدمة للأمريكيين ونحن أتينا بلا رصاص ولا سلاح لأننا لا نريد ان نقتل اخواننا " ثم أقيمت الصلاة بمشاركة قائد الثكنة ثم أخلاها الجنود وسلموها الى المقاومة الاسلامية حزب الله 0

اتبع الحزب أساليب المواجهات الشعبية (المسيرات المظاهرات) ، والعمل العسكرى المنظم والعمليات الاستشهادية ، أدى كل هذا الى تبديد الأسطورة الصهيونية عبر العمليات التى كانت تضرب البنية العسكرية والأمنية المخابراتية للعدو 0

كما اعتمد حزب الله على الروح المعنوية المستمدة من الإلهام الروحى والتدريبات العسكرية القاسية ، والتعبئة الفكرية التى وضعت نصب أعينها إزالة اسرائيل من الوجود فكان كل المتوجهين الى العمليات العسكرية فى حالة استعداد للموت دون خوف وكان العلماء يشجعون هذه الفكرة لا من خلال دفع الشباب ولكن بالتقدم أمامهم 0

كان استشهاد الشيخ راغب حرب (شيخ شهداء الجنوب) نوراً أضاء الطريق ورمزاً للمقاومة وأصبح ذكرى استشهاده يوم يحيه الحزب فى كل عام وقد كان الشيخ من بين الأسماء البارزة التى كان لها دور فى النشأة ، والناطق باسم اللجان الاسلامية المساندة للثورة الاسلامية ، وكان ضمن الوفد الذى سافر الى طهران لحضور مؤتمر المستضعفين وقت الاجتياح ، وعاد الى لبنان ليقوم بحملة من الاعتصامات والتظاهرات ويشارك فى العمل العسكرى مما دفع جنود الاحتلال الى اعتقاله وأمام الاحتجاجات والثورات والمسيرات اضطر الاحتلال للافراج عنه وقد حول الشيخ قرية جبشيت الى أحد معاقل المقاومة حتى استشهاده 0

لم تكن المرحلة الأولى لولادة الحزب تسمح له بالانخراط فى الجو السياسى نظراً لما كانت تغلب عليه صور غاية فى السوء حيث التحالفات المصلحية والصراعات 0

وفى ربيع 1984 عقد مؤتمر " بكفيا " بين زعماء القتال حينما تقلص نفوذ السلطة على مناطق الجنوب عامة والاسلامية خاصة ، وتدخلت دمشق عبر نائب الرئيس السورى عبد الحليم خدام وكانت وجهة نظر الحزب ان كل هذا مضيعة للوقت ، ووقف موقفاً معارضاً من هذه الدعوة والتى كانت تفرض أن يبقى الحكم فى يد الكتائب الذى أعلن الحزب رفضه لها ، وطالب بمحاكمة قادته وقرر من البداية معاداتهم والعمل على تغييرهم ولكنه لم يترجم هذا الموقف ميدانياً 0

وفى حزيران (يونيه) 1984 أعلن عن البدء فى تنفيذ الخطة الأمنية لبيروت الكبرى لوقف التقاتل وإلغاء خطوط التماس وأن يتولى الجيش حماية العاصمة أمنياً ، ورغم عدم مشاركة الحزب فى اللجنة الا انه فصل بين معارضته للخطة سياسياً وبين الموقف الاجرائى الميدانى وأعلن عن تخليه عن مواقع التماس وتسليمها للجيش حتى لا ينفجر الوضع وتزداد حالة التراشق والتقاذف وأعلن ان القتال الداخلى ملهاة عن أمور كبيرة تخص الوطن وتحريره 0

لكن سجل الحزب ملاحظته الأساسية على الخطة ، بأنها لا تقوم على أساس استنفار الطاقات لمقاتلة اسرائيل ، خاصة أنها حددت نطاقها البقعة الممتدة من مثلث خلده حتى جسر الموت ، وظل الحزب يؤكد على ضرورة محاكمة رموز النظام فأعلن فى تموز (يوليو) من العام نفسه انه معنى بهذه المحاسبة ستبقى العين ساهرة للدفاع عن المسلمين ومحاسبة كل الذين تسببوا فى قتل الأبرياء ، بعدما تناسى الحكم والحكومة المطالبات الشعبية العارمة ، بمحاكمة المسئوولين عن قتل الشعب وتدمير مصالحه 0

أكد الحزب ذلك ووضعها من جملة أهدافه (أن يرضخ الكتائبيون للحكم العادل ، ويحاكموا جميعاً على الجرائم التى ارتكبوها بحق المسلمين والمسيحيين بتشجيع من أمريكا واسرائيل)0 وفى آيار (مايو) 1984 اعتمد اسم (حزب الله الثورة الاسلامية فى لبنان) وأنشىء فى الوقت نفسه المكتب السياسى وأقر إصدار المطبوعة الأسبوعية " العهد " مع تصاعد الأقوال والادعاءات ان حزب الله ما هو الا حالة قتالية خاض الحزب معارك سياسية واعلامية بعد ان قوى بنيانه التنظيمى والسياسى فأعلن عن برنامجه السياسى وهويته فى وثيقة أذاعها على الملأ من جبشيت فى ذكرى استشهاد (شيخ شهداء الجنوب الشهيد راغب حرب) الأولى من حسينية الشياح فى 16 شباط (فبراير) 1985 كان البرنامج السياسى يحمل عنوان (الرسالة المفتوحة) ليتعرف الناس على حزب الله وعلى هويته السياسية وانتمائه والتزامه بالتعاليم الإلهية الاسلامية المتجاوزة لكل الشكليات القبلية أو المناطقية ، وكيفية تعاطيه مع العدو الصهيونى والأمريكى وحدد الدولة الصهيونية بأنها (شر مطلق) وأن أمريكا (أول جذور المنكر) اسقط الحزب من حساباته السياسية (المرحلية المستقبلية) أى امكانية أو أى صيغة تعاون مع من يعتبرهم (عملاء لاسرائيل) 0

فى خريف عام 1985 كان هنا تحضير لمصالحة تهدف الى صيغة تنهى حالة الحرب وتضع قواعد جديدة للحكم فى لبنان يتقاسم فيها المسلمون والمسيحيون السلطة ونالت هذه المصالحة موافقة أطراف عربية واسلامية وبدأ الاجتماع الذى ضم (حركة أمل الحزب التقدمى الاشتراكى القوات اللبنانية) تحت الرعاية السورية وعرف حينها (بالاتفاق الثلاثى) ولم يخف الحزب معارضته للاتفاق ومضامينه وأعلن صراحة معارضته السياسية مع رفضه فى الوقت نفسه استخدام أساليب العنف وتفجير الصراع لإثبات المعارضة ، وبتحالف أمين الجميل مع فريق من القوات اللبنانية سقط الاتفاق،وسقط أيضاً عبء المعارضة عن كاهل حزب الله 0

كانت المعارضة الدائمة من جانب حزب الله لأى اصلاح مرحلى فى النظام جعل القوى السياسية الداخلية تبدى تخوفها من حقيقة المشروع غير المعلن لحزب الله وهل هناك تحضير ما لفرض فكرة دولة اسلامية بالقوة ؟ جاءت إجابة الحزب بأن نظرته لشكل الحكم تنطلق من الارادة الشعبية مع ابداء رغبته بأن تختار هذه الارادة النظام الاسلامى ، وان له رؤية فى طبيعة الصراع باعتباره صراع بين مظلومين مستضعفين وقوى استعمارية غربية ، جعلت من لبنان بوابة للشرق أوسطية ومفتاح هذه البوابة هذه الحكومة ، وحدد الحزب دوره الذى يقتضى اغلاق تلك البوابة ومحاولة تغيير الوضع الى دولة (عادلة تقوم على أساس تكافؤ الفرص أمام اللبنانيين لحكم البلاد بعيداً عن الانتماءات الطائفية) فالرؤية هنا إلغاء الطائفية السياسية لفتح البلاد أمام كل التغييرات الكبيرة على مستوى السلطة والدولة ، وبدأ الحزب يتعاطى مع الواقع اللبنانى بما هو متاح من محددات التغيير السياسى وفق قواعد التغيير السلمى وممارسة ضغوطات سياسية على مراكز صنع واتخاذ القرار فى لبنان.

 كانت من ضمن القضايا العديدة أمام حزب الله على رأسها قضية الوحدة الاسلامية والتى تعنى وحدة المسلمين من سنة وشيعة فى وحدة واحدة وإسقاط الخلاف الميدانى وإبقائه فى اطار النقاش والحوار العلمى والفقهى0

 

اعتبر حزب الله أن هناك أربع حالات تحكم العلاقة الاسلامية – الاسلامية وهى :

-  بقاء الحواجز النفسية والمذهبية وهذا باب تنفذ منه الخلافات والصراعات ويشكل ثغرة للذين يريدون المحافظة على الضعف الاسلامى0

 -  الصراع والتذابح وهذا ما تعمل له القوى المستكبرة من خلال سعيها للهيمنة على العالم الاسلامى وسلب ثروته ، وهذه العلاقة لن تؤدى الا الى إضعاف المسلمين وبعثرة قواهم 0

 -  الوحدة : وهى ان يتحد المسلمون من خلال معركتهم الواحدة على أساس وحدة العبادة والارتباط بالخط الاسلامى ومواجهة اعدائهم المستكبرين 0

 وهذه هى الحالة الأقرب التى حاول الحزب تطبيقها ، والالتزام بها كقاعدة وحدوية ، وقد دفع الحزب ثمناً باهظاً مرحلياً عندما انشغل هو وغيره بالتنازع الداخلى لكن سرعان ما عاد ليتبنى القواسم المشتركة التى تفرض تعزيز قوى المسلمين واللبنانيين الوطنيين فى مواجهة التحديات وكان خطابه السياسى يشتمل على كل معانى الوحدة ويدعو لها ويترجمها ميدانياً ، وبعد إصدار وثيقة الحزب "الرسالة المفتوحة" دخل تطوره مرحلة جديدة هى مرحلة الصمود والمقاومة 0


البرنامج السياسى للحزب

وثيقة " الرسالة المفتوحة الى المستضعفين "

 تمثل هذه الرسالة الوثيقة الأولى الرئيسية لحزب الله ولأهميتها نورد بعضاً من أبرز محتوياتها : بدأت الرسالة بنداء من نحن وما هى هويتنا ؟

 

أيها المستضعفون الأحرار :

            ثم جاء فيها إننا أبناء أمة حزب الله فى لبنان ، نحييكم ونخاطب من خلالكم العالم بأسره شخصيات ومؤسسات ، أحزاباً ومنظمات وهيئات سياسية وإنسانية وإعلامية ، ولا نستثنى أحداً ، لأننا حريصون على أن يسمع صوتنا الجميع ، فيفهموا مقالتنا ويستوعبوا طروحاتنا ويتدارسوا مشروعنا0

 إننا أبناء أمة حزب الله ، نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الاسلام فى العالم، التى تواجه أعتى هجمة استكبارية، من الغرب والشرق على السواء ، بهدف تفريغها من مضمونها الرسالى الذى أنعم الله به عليها ، لتكون خير أمة أخرجت للناس ، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله ثم تنتقل الرسالة الى المطالبة للتصدى لقوى الاستكبار التى تهدف الى استلاب خيراتها وثرواتها ، واستثمار طاقاتها وكفاءات أبنائها ، والسيطرة على شئوونها كافة ثم تقول الرسالة : نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة ، تتمثل بالولى الفقيه الجامع للشرايط ، وتتجسد حاضراً بالإمام المسدد ، آية الله العظمى روح الله الموسوى الخمينى دام ظله ، مفجر ثورة المسلمين ، وباعث نهضتهم المجيدة 0

وعلى هذا الأساس ، فنحن فى لبنان لسنا حزباً تنظيمياً مغلقاً ، ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً 00 بل نحن أمة ترتبط مع المسلمين ، فى أنحاء العالم كافة ، برباط عقائدى وسياسى متين هو الاسلام 0

ومن هنا ، فإن ما يصيب المسلمين فى أفغانستان أو العراق أو الفلبين أو غيرها ، إنما يصيب جسم أمتنا الاسلامية التى نحن جزء لا يتجزأ منها ، ونتحرك لمواجهته انطلاقاً من واجب شرعى أساساً ، وفى ضوء تصور سياسى عام تقرره ولاية الفقيه القائد 0

أما ثقافتنا ، فمنابعها الأساسية ، القرآن الكريم ، والسنة المعصومة ، والأحكام والفتاوى الصادرة عن الفقيه مرجع التقليد عندنا ! وأما قدرتنا العسكرية فلا يتخيلن أحد حجمها ، إذ ليس لدينا جهاز عسكرى منفصل عن بقية أطراف جـسمنا ، بل ان كل واحد منا يتولى مهمته فى المعركة.

 

العالم المستكبر متفق على حربنا

 أيها المستضعفون الأحرار :

إن دول العالم المستكبر الظالم ، فى الغرب والشرق ، قد اجتمعت على محاربتنا ، وراح حكامها يحرضون عملاءهم ضدنا ، يحاولون تشويه سمعتنا وافتراء الأكاذيب علينا 00 فى محاولة خبيثة للفصل بيننا وبين المستضعفين الطيبين ، وفى سعى حثيث لتقزيم ومسخ الانجازات المهمة والكبرى ، على مستوى مواجهتنا لأمريكا وحلفائها 00

لقد حاولت أمريكا ، عبر عملائها المحليين ، أن توحى للناس بأن من قضى على غطرستها فى لبنان ، وأخرجها ذليلة خائبة ، وسحق مؤامرتها على المستضعفين فى هذه البلاد ، هم ليسوا الا حفنة من المتعصبين الارهابيين ، الذين لا شأن لهم الا تفجير محلات الخمور والقمار وآلات اللهو وغير ذلك ، ولكن كنا على يقين بأن مثل هذه الايحاءات لن تخدع أمتنا لأن العالم بأسره يعلم أن من يفكر بمواجهة أمريكا والاستكبار العالمى ، لا يلجأ الى مثل هذه الأعمال الهامشية ، التى تشغله بالذيل عن الرأس 0

 

أمريكا وراء كل مصائبنا

اننا متوجهون لمحاربة المنكر من جذوره 00 وأول جذور المنكر أمريكا 00 ولن تنفع كل المحاولات لجرنا الى ممارسات هامشية ، اذا ما قيست بالمواجهة مع أمريكا 00 فالإمام الخمينى القائد أكد ، ولمرات عديدة ، أن أمريكا هى سبب كل مصائبنا ، وهى أم الخبائث 00 ونحن إذ نحاربها ، فلا نمارس الا حقنا المشروع فى الدفاع عن اسلامنا وعزة أمتنا 0

 إننا نعلن ، بصراحة ووضوح ، أننا أمة لا تخاف الا الله ، ولا ترتضى الظلم والعدوان والمهانة ، وإن أمريكا وحلفاءها ، من دول حلف شمال الأطلسى ، والكيان الصهيونى الغاصب لأرض فلسطين الاسلامية المقدسة ، كل هؤلاء ، قد مارسوا ويمارسون العدوان علينا ويعملون على إذلالنا باستمرار 00 ولذا فإننا فى حالة تأهب مستمر ومتصاعد ، من أجل رد العدوان والدفاع عن الدين والوجود والكرامة 0

لقد هاجموا بلادنا ، ودمروا قرانا ، وذبحوا أطفالنا ، وهتكوا حرماتنا ، وسلّطوا على رقابنا جلادين مجرمين ارتكبوا مجازر رهيبة بحق أمتنا ، ولايزالون يدعمون هؤلاء الجزارين حلفاء اسرائيل ، ويمنعوننا من تقرير مصيرنا بمحض اختيارنا ، وكنا نستصرخ ضمير العالم آنذاك فلم نسمع له حساً ولم نجد له أثراً ، هذا الضمير الذى افتقدناه أيام المحنة ، هو نفسه كان مستنفراً ويقظاً ، يوم حوصر الكتائبيون المجرمون ، فى مدينة زحلة البقاعية ، ويوم حوصر المتحالفون مع اسرائيل ، فى دير القمر الشوفية 00 فهالنا الأمر ، وأيقنا أن هذا الضمير العالمى ، لا يهتز الا بناء لطلب الأقوياء 00 واستجابة لمصالح الاستكبار 0

لقد ذبح الاسرائيليون والكتائبيون عدة آلاف ، من آبائنا وأطفالنا ونسائنا وإخواننا ، فى صبرا وشاتيلا خلال ليلة واحدة ، فلم يصدر عن أية منظمة أو هيئة دولية أى استنكار أو شجب عملى لهذه المجزرة البشعة ، التى ارتكبت بتنسيق مع القوات الأطلسية التى غادرت قبل أيام بل ساعات ، المخيمات التى قبل المنهزمون أن يضعوها تحت حماية الذئب ، استجابة لمناورة الثعلب الامريكى فيليب حبيب 0

تنسيق صهيونى كتائبي

-  مئة ألف ضحية هو العدد التقريبى لجرائم أمريكا واسرائيل والكتائب 0

-  تهجير لنصف مليون مسلم تقريباً ، وتدمير شبه كامل لأحيائهم ، فى النبعة وبرج حمود والدكوانة وتل الزعتر وسبينه وحى الغوارنة ، وبنت جبيل التى لايزال من تبقى من أهلنا فيها يتعرضون للمحنة ، دون ان تتحرك هيئة عالمية واحدة لإنقاذهم 0

 -  واحتلال صهيونى استمر فى اغتصابه لأراضى المسلمين ، حتى وصل الى احتلال لأكثر من ثلث مساحة لبنان ، بتنسيق مسبق واتفاق كامل مع الكتائبيين ، الذين استنكروا محاولات التصدى للقوات الغازية ، وشاركوا فى تنفيذ بعض خطط اسرائيل ليكملوا ويعطوها ما تريد ثمناً لإيصالهم الى رئاسة الحكم .

 وهكذا كان ، فلقد وصل الجزار بشير الجميل الى سدة الرئاسة ، مستعيناً باسرائيل ، وبالنفطيين العرب ، وبالزعماء المستزلمين للكتائب من نواب المسلمين ، وإثر محاولة متقنة لتجميل صورته البشعة ، فى اطار غرفة عمليات سميت " بلجنة الإنقاذ " لم تكن الا جسراً أمريكياً اسرائيلياً عبر عليه الكتائبيون ، باتجاه التسلط على رقاب المستضعفين 0

لكن شعبنا لم يستطع الصبر على هذه المهانة ، فبّدد أحلام الصهاينة وحلفائهم ، الا أن أمريكا أصرت على حماقتها ، فأوصلت أمين الجميل لخلافة أخيه المقبور ، وكان أول إنجاز له : تدمير منازل المهجرين ، والاعتداء على مساجد المسلمين ، وإعطاء الأوامر للجيش بقصف أحياء الضاحية المستضعفة على أهلها ، واستدعاء قوات حلف الأطلسى ، للاستعانة بهم علينا ، وتوقيع اتفاقية 17 آيار المشئوم ، الذى يجعل من لبنان محمية اسرائيلية ومستعمرة امريكية0

 

أعداؤنا الأساسيون

ولم يستطع شعبنا ان يتحمل كل هذه الخيانة فقرر مواجهة أئمة الكفر : أمريكا وفرنسا واسرائيل ، ونفذ بحقهم أول عقوبة لهم : فى 18 نيسان ، ثم فى 29 تشرين أول 1983 ، وكان قد بدأ حرباً حقيقية ضد قوات الاحتلال الاسرائيلى ، ارتقى خلالها الى مستوى تدمير مركزين أساسيين لحكامه العسكريين ، وصعّد من مقاومته الاسلامية ، شعبياً وعسكرياً ، حتى أرغم العدو على اتخاذ قرار بالفرار المرحلى ، وهو قرار تضطر اليه اسرائيل لأول مرة فى تاريخ ما سمى بالصراع العربى – الاسرائيلى 0

  

أهدافنا فى لبنان

 -  تخرج اسرائيل نهائياً من لبنان ، كمقدمة لإزالتها نهائياً من الوجود ، وتحرير القدس الشريف من براثن الاحتلال 0

 -  تخرج أمريكا وفرنسا وحلفاؤهما نهائياً من لبنان وينتهى أى نفوذ لأية دولة استعمارية فى البلاد 0

 -  يرضخ الكتائبيون للحكم العادل ، ويحاكمون جميعاً على الجرائم التى ارتكبوها ، بحق المسلمين والمسيحيين ، بتشجيع من أمريكا واسرائيل 0

 -  يتاح لجميع أبناء شعبنا أن يقرروا مصيرهم ، ويختاروا بكامل حريتهم ، شكل نظام الحكم الذى يريدونه ، علماً بأننا لا نخفى التزامنا بحكم الاسلام ، وندعو الجميع الى اختيار النظام الاسلامى الذى يكفل وحده العدل والكرامة للجميع ، ويمنع وحده أية محاولة للتسلل الاستعمارى الى بـلادنا من جديد 0

 

أيها الأصدقاء

 اذاً 00 هذه هى أهدافنا فى لبنان ، وهؤلاء هم أعداؤنا ، أما أصدقاؤنا فهم كل الشعوب المستضعفة فى العالم ، وهم كل من يحارب أعداءنا ، ويحرص على عدم الاساءة الينا 00 أفراداً كانوا أو أحزاباً أو منظمات 00

أيها المحازبون والمنظمّون ، أينما كنتم فى لبنان ، وأياً كانت أفكاركم 00 اننا متفقون وإياكم على أهداف كبيرة ومهمة 00 تتمثل فى ضرورة إسقاط الهيمنة الأمريكية على البلاد ، وطرد الاحتلال الصهيونى الجاثم على رقاب العباد 00 وضرب كل محاولات التسلط الكتائبى على شئون الحكم والادارة 00 وإن كنا نختلف فى أساليب المواجهة ومستوى المواجهة 00

فتعالوا نترفع عن التخاصم فيما بيننا على الأمور الصغيرة ، ونفتح أبواب التنافس واسعة أمام تحقيق الأهداف الكبيرة 0

فليس مهماً أن يسيطر حزب الله على شارع ،وإنما المهم أن تتفاعل الجماهير مع هذا الحزب0 وليس المهم أن تكثر الاستعراضات العسكرية على المواطنين 00 بل المهم ان تكثر العمليات ضد اسرائيل ، وليس المهم ان نصوغ البيانات وندعو الى مؤتمرات بل المهم ان نجعل من لبنان مقبرة للمشاريع الأمريكية 0

 

نلتزم بالاسلام ولا نفرضه بالقوة

أيها المستضعفون الأحرار :

إننا أمة التزمت برسالة الاسلام ، وأحبت للمستضعفين وللناس كافة أن يتدارسوا هذه الرسالة السماوية ، لأنها تصلح لتحقيق العدل والسلام والطمأنينة فى العالم 00

والله تعالى ربنا يقول : (لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى ، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ، الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) 0

اننا مقتنعون بالاسلام ، عقيدة ونظاماً ، فكراً وحلماً ، وندعو الجميع الى التعرف عليه ، والاحتكام الى شريعته ، كما ندعوهم الى تبنيه والالتزام بتعاليمه ، على المستوى الفردى والسياسى والاجتماعى 0

ومن هنا فإننا ندعو الى اعتماد النظام الاسلامى ، على قاعدة الاختيار الحر والمباشر من قبل الناس ، لا على قاعدة الفرض بالقوة ، كما يخيل للبعض 00 ونعلن أننا نطمح ان يكون لبنان جزءاً لا يتجزأ من الخارطة السياسية المعادية لأمريكا والاستكبار العالمى وللصهيونية العالمية والتى يحكمها الاسلام وقيادته العادلة 00 وهذا الطموح هو طموح أمة ، وليس طموح حزب واختيار شعب لا اختيار عصابة 0

 

الحد الأدنى لطموحنا فى لبنان

إنقاذ لبنان من التبعية ، للغرب أو للشرق ، وطرد الاحتلال الصهيونى من أراضيه نهائياً واعتماد نظام يقرره الشعب ، بمحض اختياره وحريته 0

 

لماذا نواجه النظام القائم ؟

 1 – لكونه صنيعة الاستكبار العالمى ، وجزءاً من الخارطة السياسية المعادلة للاسلام 0

2 – لكونه تركيبة ظالمة فى أساسها،لا ينفع معها أى اصلاح أو ترقيع،بل لابد من تغييرها من جذورها (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون).

 

موقفنا من المعارضة

فنعتبر أن كل معارضة تتحرك ضمن خطوط حمر فرضتها القوى المستكبرة ، هى معارضة شكلية لابد وأن تلتقى ، فى نهاية المطاف ، مع النظام القائم 0

وكل معارضة تتحرك ضمن دائرة الحفاظ والحرص على الدستور المعمول به حالياً ، وتلتزم عدم اجراء أى تغيير أساسى فى جذور النظام ، هى معارضة شكلية أيضاً ، لا تحقق مصلحة الجماهير المستضعفة ، وكذلك فإن أى معارضة تتحرك فى المواقع التى يريدها النظام أن تتحرك من خلالها ، هى معارضة وهمية ، ليست الا لخدمة النظام 0

ومن ناحية اخرى ، فإن كل طرح للإصلاح السياسى ، على ضوء النظام الطائفى العفن ، لا يعنينا منه شىء ، تماماً كما لا يعنينا تشكيل أية حكومة ، أو اشتراك أية شخصية فى أية وزارة تمثل جزءاً من النظام الظالم0

 

كلمات برسم المسيحيين فى لبنان

أيها المستضعفون الشرفاء :

 إننا نتوجه من خلالكم بكلمات قليلة برسم المسيحيين فى لبنان ، وبرسم الموارنة على وجه الخصوص :

ان السياسة التى ينتهجها زعماء المارونية السياسية ، من خلال " الجبهة اللبنانية " و" القوات اللبنانية " لا يمكن ان تحقق السلام والاستقرار للمسيحيين فى لبنان ، لأنها سياسة قائمة على العصبية والامتيازات الطائفية والتحالف مع الاستعمار واسرائيل 0

 ولقد أثبتت المحنة اللبنانية ، أن الامتيازات الطائفية كانت سبباً رئيسياً ، من أسباب الانفجار الكبير الذى قوض البلاد ، وأن التحالف مع أمريكا وفرنسا واسرائيل لم يُجد نفعاً للمسيحيين يوم احتاجوا لدعم هؤلاء 00

ثم إن الأوان قد آن ، ليخرج المسيحيون المتعصبون من نفق الولاء الطائفى ، ومن أوهام الاستئثار بالامتيازات ، على حساب الآخرين ، وأن يستجيبوا لدعوة السماء ، فيتحكموا الى العـقل بدل السلاح ، والى القناعة بدل الطائفة 0

 اننا على يقين بأن رسول الله المسيح (ع) براء من المجازر التى ارتكبها الكتائبيون ، باسمه وباسمكم 00 وبراء من السياسة الحمقاء التى يعتمدها زعماؤكم ، للتحكم بنا وبكم 0

كما وأن رسول الله محمد (ص) هو براء أيضاً ممن يحسب على المسلمين ، ممن لا يتلزمون بشرع الله ، ولا يسعون الى تطبيق أحكامه ، علينا وعليكم 00

فإذا ما راجعتم حساباتكم ، وعرفتم أن مصلحتكم هى ما تقررونه أنتم ، بمحض اختياركم ، لا ما يفرض عليكم بالحديد والنار ، حينئذ نجدد دعوتنا لكم ، استجابة لقول الله تعالى : " قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئاً ، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " 0

وإن كان أحد قد ضللكم ، وعظّم لكم الأمور ، وخوّفكم ان تنالكم منا ردود فعل ، على ما ارتكبه الكتائبيون من جرائم بحقنا ، فذا ما لا مبرر لكم فيه أبداً ، إذ أن المسلمين منكم لازالوا يعيشون بيننا ، دون أن يعكر صفوهم أحد 00

وان كنا نقاتل الكتائبيين ، فلأنهم يشكلون حاجزاً أمام رؤيتكم للحقيقة ، ويصدونكم عن سبيل الله ، ويبغونها فى الأرض عوجاً بغير حق ، وقد استكبروا وعتوا عتواً كبيراً 0

 

أيها المسيحيون 00

حرروا أفكاركم من رواسب الطائفية البغيضة ، وجردّوا عقولكم من أسر التعصب والانغلاق ، افتحوا بصائركم على ما ندعوكم اليه من الاسلام ، ففيه نجاتكم وسعادتكم وخير الدنيا والآخرة ، أما المنتسبون للإسلام طائفياً ، فندعوهم للالتزام بالاسلام عملياً ، والترفع عن العصبيات التى يمقتها الدين 0

 

قصتنا مع الاستكبار العالمى

أيها المستضعفون الشرفاء :

وأما قصتنا مع الاستكبار العالمى ، فنوجزها لكم بهذه الكلمات : إننا نعتقد أن صراع المبادىء ، بين أمريكا والاتحاد السوفيتى ، قد ولى ، منذ زمن بعيد ، والى غير رجعة ، فلقد أخفق الطرفان ، فى تحقيق السعادة للبشرية ، لأن الفكرة التى قدماها للناس ، وان اختلفت من حيث الشكل الى رأسمالية وشيوعية ،الا انها التقت فى المضمون المادى ، وقصرت عن علاج مشاكل الانسانية 0

 فلا للرأسمالية الغربية ، ولا الاشتراكية الشرقية ، نجحتا فى إرساء قواعد المجتمع العادل والمطمئن ، ولا استطاعتا ان تحققا التوازن بين الفرد والمجتمع ، ولا بين الفطرة البشرية والمصلحة العامة 0

وعلى هذا الأساس ، فالبلدان المستضعفة باتت هى محك الصراع ، والشعوب المستضعفة أصبحت وقوده 0

أما فى لبنان ومنطقة فلسطين : فإننا معنيون بمواجهة أمريكا ، بشكل رئيسى ، لأنها صاحبة النفوذ الأقوى بين دول الإستكبار العالمى ، وكذلك اسرئيل ربيبة الصهيونية العالمية ، ومن ثم فإننا معنيون بمواجهة حلفاء أمريكا ، من دول حلف شمال الأطلسى ، التى تورطت فى مساعدة أمريكا ضد شعوب المنطقة ، ونحذر الدول التى لم تتورط بعد ، من الانجرار الى خدمة المصالح الامريكية ، على حساب حرية أمتنا ومصالحها 00

 

اسرائيل يجب ان تزول من الوجود

أما اسرائيل فنعتبرها رأس الحربة الامريكية فى عالمنا الاسلامى 00 وهى عدو غاصب تجب محاربته ، حتى يعود الحق المغصوب الى أهله 00 وهذا العدو يشكل خطراً كبيراً على مستقبل أجيالنا ومصير أمتنا ، خصوصاً أنه يحمل فكرة استيطانية توسعية ، بدأ تطبيقها فى فلسطين المحتلة ، ويحاول التمدد والتوسع ، ليبنى دولة اسرائيل الكبرى ، من الفرات الى النيل ، وصراعنا مع اسرائيل الغاصبة ينطلق من فهم عقائدى وتاريخى ، مؤداه ان هذا الكيان الصهيونى عدوانى ، فى نشأته وتكوينه ، وقائم على أرض مغصوبة وعلى حساب حقوق شعب مسلم 0

ولذا فإن مواجهتنا لهذا الكيان يجب ان تنتهى بإزالته من الوجود ، ومن هنا ، فإننا لا نعترف بأى اتفاق لوقف اطلاق النار ضده ، أو أية اتفاقية هدنة معه ، أو أية معاهدة سلام منفردة أو غير منفردة ، وندين بشدة كل مشاريع الوساطة بيننا وبين اسرائيل ، ونعتبر الوسطاء طرفاً معادياً ، لأن وساطتهم لن تخدم إلا الإقرار بشرعية الاحتلال الصهيونى لفلسطين 0

وعلى هذا الأساس ، نرفض معاهدة كامب ديفيد ، ونرفض مشروع فهد ، ومشروع فاس ، ومشروع ريجان ، ومشروع بريجينيف ، والمشروع الفرنسى – المصرى ، وكل مشروع يتضمن اعترافاً ولو ضمنياً ، بالكيان الصهيونى 0

ونسجل ، فى هذا السياق ، إدانتنا لكل الدول والمنظمات المنحرفة التى تلهث وراء الحلول الاستسلامية مع العدو ، وتقبل " بمقايضة الأرض بالسلام " ونعتبر ذلك خيانة لدماء الشعب الفلسطينى المسلم ، ولقضية فلسطين المقدسة 0

ومن جهة اخرى فإن الدعوة اليهودية التى أطلقت أخيراً ، للاستيطان فى جنوب لبنان ، وكذلك هجرة اليهود الأثيوبيين وغيرهم الى داخل فلسطين المحتلة ننظر اليها على أنها جزء من المشروع الاسرائيلى التوسعى فى العالم الاسلامى 00 ومؤشر فعلى على الخطر الناجم من الاعتراف بهذا الكيان ، أو التعايش معه 0

فالمقاومة الاسلامية المشرفة ، التى سطرت ولاتزال ، أروع الملاحم والبطولات ضد قوات الغزو الصهيونى ، وحطمت بإيمان مجاهديها أسطورة اسرائيل التى لا تقهر ، واستطاعت ان توقع الكيان الغاصب فى مأزق حقيقى ، من جراء الاستنزاف اليوم له ، عسكرياً وبشرياً واقتصادياً ، مما اضطر قادته أن يعترفوا بقساوة المواجهة التى يلقونها ، على أيدى المسلمين وإذ نصر على تأكيد اسلاميتها ، فإنما يكون ذلك انسجاماً منا مع واقعها ، الذى يبدو واضحاً أنه اسلامى ، فى الدافع والهدف والمسلك وعمق المواجهة ، وهذا لا يلغى وطنيتها أبداً ، بل يؤكدها 00 على العكس مما لو طمست اسلاميتها ، فإن وطنيتها تصبح هشة الى حد كبير 0

 

نداء من أجل مشاركة اسلامية واسعة

إننا ننتهز الفرصة لنوجه نداء حاراً ، الى جميع أبناء المسلمين فى العالم ، ندعوهم من خلاله الى مشاركة اخوانهم فى لبنان ، بشرف القتال ضد الصهاينة المحتلين ، إما مباشرة ، أو من خلال دعم المجاهدين ومساعدتهم 00 ذلك ان مقاتلة اسرائيل هى مسئولية كل المسلمين ، فى الأقطار والمناطق كافة ، وليست مسئولية أبناء جبل عامل والبقاع الغربى وحدهم 0

 

لقد استطاعت المقاومة الاسلامية ، بدماء شهدائها وجهاد أبطالها ، أن ترغم العدو ، ولأول مرة فى تاريخ الصراع ضده ، على اتخاذ قرار بالتراجع والانسحاب من لبنان 00 دون أى تأثير أمريكى أو غيره ، بل على العكس تماماً 00 فإن قرار الانسحاب الاسرائيلى أظهر قلقاً أمريكياً حقيقياً ، وشكل نقطة انعطاف تاريخية فى مجرى الصراع ضد الصهاينة الغاصبين0 وأثبت المجاهدون 00 من خلال مقاومتهم الاسلامية التى شاركت فيها النساء ، حيث سلاحهن الحجارة والزيت المغلى ، والأطفال ، حيث سلاحهم الصراخ والقبضات العارية 00 والشيوخ،حيث سلاحهم الجسد الضعيف والعصا الغليظة ، والشباب حيث سلاحهم البندقية والارادة الصلبة المؤمنة 00 هؤلاء جميعاً أثبتوا ان الأمة اذا ما تركت تدبر أمرها بحريتها قادرة على أن تصنع المعجزات وتغير المتوهم من الأقدار.

 

أنظمة الانهزام العربى

 

وأما الأنظمة العربية المتهافتة على الصلح مع العدو الصهيونى ، فهى أنظمة عاجزة وقاصرة عن مواكبة تطلعاتها ، ولا تستطيع ان تفكر بمواجهة الكيان الصهيونى الغاصب لفلسطين لأنها نشأت فى ظل وصاية استعمارية ، كان لها الدور الأكبر فى تكوين هذه الأنظمة المهترئة0

 

إن بعض الحكام الرجعيين ، خصوصاً فى الدول النفطية ، لا يتورعون عن أن يجعلوا من بلدانهم قواعد عسكرية لأمريكا وبريطانيا ، ولا يخجلون من الاعتماد على خبراء أجانب يعينونهم فى مناصب رسمية عليا ، وينفذون ما تقرره لهم دوائر البيت الأبيض من سياسة تهريب الثروات وتوزيعها على المستعمرين بأساليب شتى 0

 

ويدعى بعضهم أنه حامى الشريعة الاسلامية ، ليغطى خيانته ، وليبرر استسلامه لإرادة أمريكا ، وفى الوقت نفسه ، يعتبر عبور كتاب إسلامى ثورى واحد الى بلاده أمراً محرماً وممنوعاً 0

 

ونتيجة لسياسة الانهزام التى تتبعها هذه الأنظمة الرجعية تجاه اسرائيل ، فقد استطاعت هذه الأخيرة ان تقنع الكثيرين منها ، بأنها أصبحت أمراً واقعاً ، لا مجال لعدم الاعتراف بها ، فضلاً عن الإقرار بضرورة الالتزام بتوفير أمنها 0

 

وسياسة الانهزام هذه ، هى التى شجعت السادات المقبور أن يرتكب خيانته الكبرى ، فيبادر الى مصالحة اسرائيل ، وتوقيع معاهدة الذل معها 00 وسياسة الانهزام هذه ، هى التى تحكم الآن تحرك مجلس التعاون الخليجى ، ومحور الأردن – مصر والعراق والمنظمة العرفاتية0 وسياسة الانهزام أمام أمريكا ، هى التى توجه موقف الحكام الرجعيين ، من الحرب العدوانية المفروضة على جمهورية الاسلام فى ايران 00 وتقف وراء الدعم غير المحدود لصدام العميل ، على مستوى التمويل والتموين الاقتصادى والعسكرى ، ظناً منهم أن النظام التكريتى المتصهين يمكنه أن يقضى على الثورة الاسلامية ، ويمنع من انتشار وهجها الثورى ومفاهيمها

     وسياسة الانهزام هذه ، هى التى تدفع الأنظمة الرجعية الى تجهيل الناس ، وتمييعهم وتذويب شخصيتهم الاسلامية ، وقمع أى تحرك اسلامى مناهض لأمريكا وحلفائها فى بلادهم ، كما أنها هى التى تدفعها الى الخوف من يقظة المستضعفين ، ومنعهم من التدخل فى شئون السياسة ، لما فى ذلك من خطر كبير على بقاء تلك الأنظمة ناتج عن وعى الشعوب على فساد حكوماتها وارتباطاتها المشبوهة ، وعن تعاطف هذه الشعوب مع حركات التحرر ، فى كل أنحاء العالم الاسلامى والعالم 00

 

إننا نجد فى الأنظمة العربية ما يشكل حاجزاً ، أمام تنامى وعى الشعوب الاسلامية ووحدتها ، ونعتبرها مسئولة عن عرقلة المحاولات التى تستهدف إبقاء الجرح مفتوحاً ، والصراع مستمراً مع العدو الصهيونى 0

 

وأملنا كبير بالشعوب المسلمة التى بدأت تبدى تذمرها بوضوح ، فى معظم البلاد الاسلامية واستطاعت أن تتسلل الى عالم الثورات ، لتستفيد من تجاربها ، وخصوصاً من الثورة الاسلامية الظافرة 00 وسيأتى اليوم الذى تتساقط فيه هذه الأنظمة الهشة ، أمام قبضات المستضعفين ، كما تساقط عرش الطاغوت فى ايران ، ولابد ونحن نخوض معركة شرسة ، ضد أمريكا واسرائيل ومخططاتهما فى المنطقة ، إلا ان نحذر هذه الأنظمة الرجعية من العمل، بالشكل المعاكس لتيار الأمة الناهض والمقاوم للاستعمار والصهيونية ، وعليها أن تتعلم، من المقاومة الاسلامية فى لبنان ، دروساً كبيرة فى الإصرار على مقاتلة العدو ، حتى إلحاق الهزيمة به ، كما أننا نحذر هذه الأنظمة من التورط بمشاريع استسلام جديدة ، وبمشاريع عدوانية تستهدف الثورة الاسلامية الفتية 00 لأن ذلك سيؤول بأقطاب هذه الأنظمة الى المصير نفسه الذى لاقاه أنور السادات ، ومن قبله نورى السعيد وغيرهما 0

 

جبهة عالمية للمستضعفين

 

ونتوجه الى جميع الشعوب العربية والاسلامية ، لنعلن لها أن تجربة المسلمين ، فى ايران الاسلام ، لم تبق عذراً لأحد ، حين أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك ، أن الصدور العارية المدفوعة بإرادة الإيمان قادرة ، بعون الله الكبير ، أن تحطم كل حديد الأنظمة الطاغوتية وجبروتها 0

 

لذا فإننا ندعو هذه الشعوب ، لتوحد صفوفها وترسم أهدافها وتنهض ، لكسر القيد الذى يطوق ارادتها ، وتسقط الحكومات العميلة التى تتسلط عليها ، ونلح على جميع المستضعفين فى العالم،بضرورة تشكيل جبهة عالمية لهم تضم جميع حركاتهم التحررية ، بهدف التنسيق فيما بينها تنسيقاً كاملاً شاملاً ، من أجل تأمين الفعالية لتحركها ، والتركيز على نقاط ضعف أعدائها 0

 

فإذا كان العالم المستعمر ، بدوله وأنظمته كافة ، يجتمع اليوم على حرب المستضعفين 00 فإن على المستضعفين ان يجتمعوا ، لمواجهة مؤامرات قوى الاستكبار فى العالم 0

 

وعلى كل الشعوب المستضعفة ، وخصوصاً الشعوب العربية والاسلامية ، أن تدرك بأن الاسلام وحده هو المؤهل ليكون الفكر المقاوم للعدوان ، بعدما أثبتت التجارب أن كل الأفكار الوضعية قد طويت الى الأبد ، لمصلحة التوافق الأمريكى مع السوفيات وغيرهم 0

 

الله الله فى وحدة المسلمين!!!

 

يا أيتها الشعوب المسلمة

 

حاذرى من الفتنة الاستعمارية الخبيثة التى تستهدف تمزيق وحدتك ، لتزرع الشقاق فيما بينك وتثير العصبيات المذهبية ، السنية والشيعية 0

 

واعلمى ، أن الاستعمار ما استطاع ان يسيطر على ثروات المسلمين ، الا بعد أن سعى فى صفوفهم تمزيقاً وتفريقاً 00 يثير السنة على الشيعة ، ويحرّض الشيعة على السنة ، وأوكل هذه المهمة ، فيما بعد ، الى عملائه من حكام البلاد حيناً ، ومن علماء السوء احياناً ، ومن الزعامات التى سلطها على رقاب العباد 0

 

فالله الله فى وحدة المسلمين 00 فإنها الصخرة التى تتحطم عليها خطط المستكبرين والمطرقة التى تسحق مؤامرات الظالمين 0

 

فلا تدعوا لسياسة " فرق تسد " أن تمارس فى بلادكم ، وقاوموها بالالتفاف حول القرآن الكريم: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) 0

 

يا علماء المسلمين ان مسئوليتكم كبيرة جداً ، بحجم المصائب التى تحل بالمسلمين وأنتم خير من يقوم بواجبه ، فى قيادة الامة نحو الاسلام ، وفى توعيتها على ما يخطط له الأعداء للسيطرة عليها ونهب ثرواتها واستعبادها 0

 

ولاشك أنكم تدركون ، أن المسلمين ينظرون اليكم ، بصفتكم حملة الأمانة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبصفتكم ورثة الأنبياء والمرسلين 00 فكونوا الأمل والقدوة الحسنة فى المجاهرة بالحق والوقوف بوجه الطغاة والمتجبرين ، وكونوا القدوة فى الترفع عن بهارج الحياة الدنيا وزخرفها ، والتوق الى الجنة والشهادة فى سبيل الله 0

 

يا علماء المسلمين إن الإمام الخمينى القائد أكد مراراً على ضرورة صلاح العالم ، واهتمامه بتزكية نفسه قبل الآخرين ، وقال فى أكثر من مقام : " إن الناس اذا عرفوا أن صاحب حانوت غير صالح ، فيقولون : ان فلاناً غير صالح ، واذا عرفوا ان تاجراً يغش الناس ، فيقولون : ان فلاناً غشاش ، أما اذا عرفوا ان عالم الدين – لا سمح الله – غير صالح ، فإنهم سيقولون: إن الدين غير صالح 0

 

فيا علماء المسلمين ان موقعيتكم فى الأمة ، قد عرف المستعمر أهميتها ، ولذا فإنه وجه أقوى طعناته الى صدور العلماء المجاهدين 00 فدبر مؤامرة شيطانية لإخفاء الإمام السيد موسى الصدر ، بعدما أحس أنه عقبة كأداء ، فى وجه مخططاته العدوانية 00 وقتل الفيلسوف الاسلامى الشيخ مرتضى مطهرى ، وأعدم المرجع الاسلامى الكبير آية الله السيد محمد باقر الصدر ، حيث أحس منه بخطورة موقفه الذى جسده بهذه الكلمات : " ذوبوا فى الامام الخمينى كما ذاب فى الاسلام " وها هو يتربص بكل الدوائر بكل عالم دينى يقوم بواجبه الاسلامى خير قيام 0

ومن ناحية اخرى ، راح الاستعمار يخترق المسلمين ، بوعّاظ للسلاطين لا يخافون الله ، ويفتون بما لا مجال فيه للفتوى ، فيجيزون الصلح مع اسرائيل ، ويحرّمون قتالها ، ويبررون خيانة الحكام الظالمين 0

 

وما كان المستعمر ليفعل ذلك ، لولا أهمية تأثير العالم الدينى على الناس ، ومن هنا ، فإن من أهم مسئولياتكم يا علماء الاسلام ، أن تربوا المسلمين على الالتزام بأحكام الدين وتوضحوا لهم الخط السياسى الذى يسيرون على هديه ، وتقودوهم نحو العزة والرفعة ، وتهتموا بالحوزات العلمية ، بحيث تستطيع أن تخرج قادة مخلصين لله ، وحريصين على نصرة الدين والأمة 0

 

كلمة أخيرة حول المنظمات الدولية

 

وأخيراً ، لابد من كلمة حول المنظمات والهيئات الدولية ، كمنظمة الأمم المتحدة ، ومجلس الأمن الدولى وغيرهما 00

 

فإننا نسجل ان هذه المنظمات ليست الا منبراً للأمم المستضعفة ، بشكل عام ، وتبقى عديمة الفاعلية ، بسبب هيمنة دول الاستكبار العالمى على قراراتها ، اجراء أو تعطيلاً 0

 

وما حق النقض – الفيتو – الذى تحظى به بعض الدول ، الا دليل على صحة ما نقول 0 ومن هنا فإننا لا نتوقع ان يصدر عن هذه المنظمات ما يخدم مصلحة المستضعفين وندعو كل الدول التى تحترم نفسها الى تبنى مشروع إلغاء حق النقض – الفيتو لدول الاستكبار 0

 

كما ندعوها الى تبنى مشروع طرد اسرائيل من الأمم المتحدة ، باعتبارها كياناً غاصباً وغير مشروع ، فضلاً عن كونه معادياً للنزعة الانسانية 0

 

أيها المستضعفون الأحرار 00

 

هذه هى تصوراتنا وأهدافنا ، وهذه هى القواعد التى تحكم مسيرتنا 00 فمن قبلنا بقبول الحق ، فالله أولى بالحق ، ومن رد علينا ، نصبر حتى يحكم الله بيننا وبين القوم الظالمين [1]

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

     حزب الله

16 شباط 1985

 

 

 

 


 

الفصل الثانى

الصمود والمقاومة والصعود السياسى

 

كانت الوثيقة (البرنامج السياسى) التى أذاعها الحزب على الملأ تتضمن الخطوط العامة والأهداف الاستراتيجية ، وفى مقدمتها محاربة اسرائيل وطردها من لبنان ثم إزالتها من الوجود ، واستطاعت المقاومة الاسلامية خلال هذه المرحلة القضاء على أسطورة اسرائيل التى لا تقهر وإرغامها على التقهقر والانسحاب 0

 

وفى لقاء جمع وفد من حزب الله بالإمام الخمينى يخاطبهم بقوله (يجب أن نهيىء أنفسنا من أجل الأهداف الإلهية والدفاع عن المسلمين ، وخصوصاً فى هذه الظروف التى ينثر فيها الأبناء الحقيقيون لفلسطين الاسلامية ، ولبنان الاسلامية ، والمسلمين الثوريين ، ينثرون فيها دماءهم وأرواحهم على الأرض المحتلة ولبنان ويصرخون يا للمسلمين) وأكمل (يجب ان نقف فى مواجهة اسرائيل والمعتدين بكل قدراتنا المعنوية والمادية ويجب أن نقاوم وبرجولة جميع السفاكين) كانت هذه الرؤية التى قدمها الامام للوفد خلال اللقاء الذى عقد فى ضاحية جمران عام 1987 بعدما خطت المقاومة فى الجنوب خطوات مهمة فى مواجهة الاحتلال حيث تعرض الجيش الاسرائيلى لضربات قوية على يد مقاتلى حزب الله وركزوا اهتمامهم للقضاء على جيش انطوان لحد (العميل) كانت هذه الهجمات تتم من خلال الإغارات على المواقع المحيطة بمنطقة الشريط الحدودى لتشكل مرحلة متميزة فى عمل المقاومة ، بدأت من 17 شباط (فبراير) 1986 عندما تمكنت أحدى مجموعات المقاومة من أسر جنديين اسرائيليين قرب بلدة (كونين) اتبعت ذلك بسلسلة من العمليات وسيطروا على مواقع ، وأسروا دبابات وعناصر تابعة لميليشيات لحد واستمرت هذه المرحلة حتى استشهاد الأمين العام الثانى سماحة السيد عباس الموسوى فى 16 شباط (فبراير) 1992 0

 

استطاع الحزب ان يترجم برنامجه الذى أورده فى رسالته المفتوحة بيد أنه اصطدم بمجموعة من العقبات كانت أهمها تلك الحرب التى خاضها مع حركة (أمل) والتى بدأت فى نيسان (أبريل) 1988 ، واستمرت حتى أواخر عام 1990 ، وتحول جزء كبير من مجهود المقاومة الى حمايتها من القضاء عليها حتى توفرت الفرصة لعقد مصالحة بتدخل إيرانى وسورى 0 عقد الحزب مؤتمره الأول الذى أنتج مجلساً للشورى ضم تسعة أعضاء وانتخب الشيخ صبحى الطفيلى أميناً عاماً وثمانية آخرين هم أعضاء الشورى وهم : سماحة السيد عباس الموسوى، سماحة السيد حسن نصر الله ، الشيخ نعيم قاسم ، السيد حسن كورانى ،والشيخ محمد يزبك، محمد رعد ، أحمد فيشى ، محمد ياغى 0

 

وفى النصف الأول من عام 1991 عقد الحزب مؤتمره الثانى وأصبح عدد أعضاء الشورى سبعة ، وتم انتخاب السيد عباس الموسوى أميناً عاماً للحزب ، وتم تعديل الوثيقة الأساسية (البرنامج السياسى) وكانت هناك قضايا مرحلية أضيفت إلى الثوابت الاستراتيجية (التحرير- إلغاء الطائفية) وهى إقامة علاقات مع جميع القوى والأطراف اللبنانية باستثناء المتعاملين مع الاحتلال فى اطار خطة قررها المؤتمر العام وناقش فيها بإستفاضة طريقة عمله فى مرحلة ما بعد (الطائف) بالإضافة الى البنود التالية :

 

-      تأكيد الوحدة الاسلامية ، والتماسك الداخلى 0

-  المشاركة فى الانتخابات البرلمانية والدخول فى وظائف الدولة مع تعليق المشاركة فى الحكومة ومناقشاتها 0

 

حزب الله وسوريا

 

شكل الموقف السورى الغطاء الأمنى والسياسى للمقاومة الاسلامية ، كما أن سوريا استطاعت ان تحقق الأمن والاستقرار السياسى فى لبنان ، وتعزيز السلم الأهلى مما مكن فصائل المقاومة وحزب الله من التفرغ للمقاومة كما أن الحزب كان ولايزال لا يؤمن فقط بوحدة المسارين السورى واللبنانى ولكن يؤمن بوحدة القضية ووحدة المصير العربى الاسلامى 0

 

كانت البقاع أحد أهم المناطق التى اتخذ منها حرس الثورة الايرانى مركزاً للتدريب نظراً لوقوعها خارج نطاق المواجهة مع العدو ، وكانت البقاع تقع ضمن مناطق السيطرة للجيش السورى وبدأت علاقات أمنية بين الحزب وسوريا لعدة اعتبارات حيث ان ادارة العلاقات الداخلية والخارجية تنطلق من نقطة عقائدية وسياسية مركزية هى (اسرائيل شر مطلق) ويجب إزالتها من الوجود وقد نظر حزب الله الى سوريا باعتبار ان سوريا أحد أهم الأطراف التى تلعب دوراً سياسياً وأمنياً بارزاً فى لبنان 0

 

انحصرت العلاقة ما بين سوريا وحزب الله من عام 1982 حتى عام 1987 فى التنسيق الأمنى ، ويرجع ذلك لأسباب عدة فعلى مستوى الحزب حرص الحزب أن يبنى مؤسساته وأطره التنظيمية دون التدخل من أحد ، بالإضافة الى حالة الريب الذى سيطرت على الحزب من القوى المؤثرة على الساحة اللبنانية والتى كانت سوريا أحد هذه الأطراف 0

 

كما كانت سوريا لا تريد إعطاء غطاء سياسى للحزب الذى لم تدرك وقتها الفرق بينه وبين قوى اسلامية اخرى كـ (الاخوان المسلمين) التى دخلت فى صدام داخلى مع السلطة فى دمشق وخاصة أن الأوضاع فى لبنان لم تكن من السهولة بحيث يسهل قراءة تطوراتها المستقبلية 0

 

ظلت حالة التعايش والتنسيق الأمنى بين حزب الله وسوريا تسير بشكل طبيعى حتى جاءت أحداث شارع فتح الله عام 1987 ، حينما قررت دمشق اعادة قواتها الى بيروت لوضع حد للتقاتل الذى أنهك العاصمة والذى لم يكن لحزب الله يد فيه ، وأثناء الانتشار قتلت القوات السورية ثلاثة وعشرين شاباً ينتمون لحزب الله كانوا فى المنطقة ، وشكلت هذه الحادثة منحى شديد الخطورة بين الجانبين , وارتفعت الأصوات المطالبة بالثأر وخرجت المظاهرات والمسيرات ، وبدأت القوات السورية تتخذ اجراءات أمنية مشددة فى العاصمة والضاحية ، وبدأت الاتصالات السياسية لتدارك الموقف ، ودخلت ايران لتهدئة الأوضاع التى استمرت شهراً كاملاً رغم أن (الشورى) اتخذت قراراً بعدم التعامل مع الوضع برد فعل والتزمت القواعد الحزبية 0

 

أدت هذه الحادثة - بكل تداعياتها والتزام حزب الله فى مواجهة الحدث بالهدوء والروية - الى ارتفاع مستوى الاتصال السياسى 0

 

ازدادت حالة الاتصال السياسى إثر وقوع القتال بين حركة أمل والحزب والتى بدأت فى نيسان (أبريل 1988) والتى بدأت من الجنوب وامتدت الى الضاحية الجنوبية وتم تشكيل لجنة رباعية ضمت ممثلين من دمشق ، وطهران ، وحزب الله ، وأمل ، وكان هذا اعتراف رسمى وسياسة سورى بالحزب 0

 

اجتمع الرئيس حافظ الأسد بوفد قيادى من حزب الله فى حزيران (يونيه 1988) أثناء الاتفاق حول دخول القوات السورية الضاحية ، وأكد الأسد تقديره للحزب ،ودوره فى مواجهة الاحتلال وأن كل شىء سيبقى على حاله 0

 

وعبر مراحل عديدة من اللقاءات سواء ما يتعلق باتفاق دمشق الأول ، أو الثانى لوقف الحرب مع حركة (أمل) أو ما يتعلق باتفاق (الطائف) أو الانتخابات البرلمانية اللبنانية ، رست العلاقات المشتركة على قواعد إيجابية بلغت درجة التعاون الاستراتيجى من أجل تحرير لبنان واستقرار السلطة السياسية ، ويمكن تحديد العوامل الرئيسية التى عمقت العلاقات الاستراتيجية بين سوريا والحزب فى ثلاث نقاط هى :

 

الأولي : رفض سوريا للشروط الأمريكية والاسرائيلية والبحث عن متنفس للتخفيف من الضغط السياسى عليها وكان المتنفس هو حزب الله 0

 

الثانية : عدم رغبة سوريا فى الاتكاء على أى طرف عربى لارتباط هذه الأطراف بالقرار الأمريكى فى الوقت الذى كان حزب الله ينظر الى أمريكا باعتبارها (أول المنكر الواجب إزالته) 0

 

الثالثة : كانت سوريا تبحث عن حليف استراتيجى لها داخل لبنان حتى اذا ما تغيرت الظروف فوجدت فى حزب الله هذا الحليف 0

 

حزب الله واتفاقية الطائف

 

بعدما وصلت الأمور فى لبنان الى حد الانهيار الشامل صدر قرار بإعادة ترميم مؤسسات الحكم فى لبنان برعاية أمريكية ولجنة ثلاثية تتكون من (السعودية ، الجزائر ، المغرب) وبحضور مجموعة من النواب اللبنانيين ، وبعد فشل الجهود فى استبعاد سوريا اضطرت اللجنة الى التنسيق معهما 0

ظهرت وثيقة الطائف الى العلن كمحاولة جادة لإيجاد صيغة لترميم الحكم تختلف عن السابقة وتضمن قدراً غير قليل من المشاركة فى إدارة الحكم رغم أنها أبقت الصلاحيات الرئيسية فى يد الطائفة المارونية ، كرئيس الدولة ، وقيادة الجيش ، والأمن العام ، والمؤسسات الاقتصادية، مما جعلتها عرضة لانتقادات ومعارضة من أطراف عديدة 0

 

نظرت القوى الاسلامية لهذه الوثيقة بشك وريبة ، لإبقائها على الأوضاع كما هى حيث السلطة الرئيسية بيد الموارنة ، وحاول البعض إيجاد قوى داعمة ومساندة لهم من خلال عدة زيارات الى ايران ، والبعض الآخر أعلن الموافقة على الوثيقة تماشياً مع الظروف السياسية الضاغطة 0

 

قاد ميشال عون معارضة مسيحية قوية ضد (الطائف) وتحصن فى قصر بعبدا رافضاً التنازل عن السلطة للرئيس المنتخب رينيه معوض ثم إلياس الهراوى مما اضطر الأخير للإقامة فى مقر مؤقت فى الرملة البيضاء 0

 

ورغم اختلاف وجهات النظر بشأن (الطائف) الا أنه كان هناك ما يشبه الاجماع على رفضها، فالجانب الاسلامى اعتبرها تنتقص من حقوقهم ، والجانب المسيحى اعتبرها مجحفة لهم حيث قلصت صلاحيات الموارنة فى السلطة 0

 

اكتسب حزب الله من معارضته للطائف المزيد من المكاسب السياسية داخل المجتمع خاصة بعد ان رفض كل الضغوط للتراجع عن موقفه وعدم استخدام العنف كلفة للمعارضة وسعيه لتكوين جبهة معارضة (الطائف) الا أنها فشلت لعدم رغبة القوى السياسية فى بيروت المعارضة المكشوفة ، ورغم فشل الجبهة الا أن الحزب مثَّل رأس حربة معارضة فى الجانب الاسلامى واللبنانى مما جعله محط أنظار الباحثين عن طريق تنفيذ الاتفاقية

 

هذا فى الوقت الذى واجه عون (الطائف) بمعارضة مسلحة وتحصن فى قصر بعبدا وقاد حملة عسكرية ، وبعد فشل الوساطات المتعددة التى قادتها اللجنة الثلاثة ووسطاء لبنانيين ، تم تجهيز خطة للإطاحة به بمساعدة سوريا 0

 

وضعت (الطائف) آلية عمل للسير فى التنفيذ (الأمنى – السياسى) فكان الشق الداخلى للأزمة هو إعادة بناء المؤسسات ، وحل الميليشيات الطائفية 0

 

اعتقدت اللجنة أن معالجة المعارضة الاسلامية لـ (حزب الله) يمكن حلها من خلال سوريا فلما لم يحصل ذلك بدأ الاتصال المباشر بين اللجنة وبين الحزب.

 

فى آذار (مارس 1990) عقد لقاء بين الأمين العام للحزب وأعضاء المكتب السياسى والأخضر الابراهيمى فى مقر المكتب السياسى للحزب ، ورغم الخطأ الذى ارتكبه الابراهيمى فى تأخره فى اللقاء حتى آذار وعدم معرفته لموقف حزب الله ، تم اللقاء وبدأ الابراهيمى يشير الى أهمية (الطائف) فى الحفاظ على المؤسسات اللبنانية التى فقدت سلطاتها وأشار لأهمية إبقاء لبنان قادرة على الوجود ، وشرح له الشيخ صبحى الطفيلى الأمين العام وقتها أن موقف الحزب ينطلق من أهمية وجود بديل للنظام اللبنانى يضعه اللبنانيون أنفسهم بكل حرية ومن دون تدخل من أحد ، انتهت الجلسة دون الوصول الى اتفاق وبقى الحزب على معارضته0

 

كان للموقف الثورى المبكر للحزب منذ عام 1983 أثره الدائم على موقفه حيال أى قضية داخلية إذ حرص الحزب ودائماً على الفصل بين الموقف السياسى والموقف الميدانى ليبقى الهدف العسكرى محصوراً فى الصراع مع اسرائيل وظل هذا ما يحكم الموقف الحزبى ويجعله يتخطى الكثير من الاشكالات التى تعترض طريقه وفى سبيل الحفاظ على الأمن والوحدة الداخلية للمجتمع اللبنانى حتى لو قدم أى تنازلات لا تمس المسلمات الأساسية للحزب.

 

فى 18 تشرين الأول (أكتوبر 1990) قررت الحكومة اللبنانية بمساندة ودعم سوريا تنفيذ المرحلة الأولى من (الطائف) وهى إنشاء بيروت الكبرى ، وتعزيز سلطة الدولة ، وحل الميليشيات وكانت الخطة ترتكز على تسليم الجيش ، الأمن ، وتفكيك الميليشيات وإزالة خطوط التماس بين المنطقتين (الشرقية والغربية) تم تشكيل لجنة وزارية من وزيرى الدفاع والزراعة فقامت اللجنة بزيارة لحزب الله فى 29 تشرين الأول (أكتوبر 1990) لبحث تفاصيل الخطة والتشاور ومن ثم الرجوع الى مجلس الوزراء ، وقد طرح الحزب عدة نقاط هى حدود بيروت الكبرى ، وخطوات انتشار الجيش ، ومصير السلاح خارج بيروت الكبرى ، وتوسيع الانتشار لاحلال الأمن ، كانت وجهة نظر الحزب أن تنفيذ خطة بيروت الكبرى وحدها لن توقف الاشتباكات ، وحتى يأمن الناس لابد من دخول الضاحية مع تزويد الجيش بالسلاح ، وانتهى اللقاء بتأكيد التعاون بين الحكومة والحزب وتشكيل لجنة للتنسيق والتنفيذ ، وكان لهذا اللقاء أثره فقد استطاع الحزب صياغة صفحة جديدة من العلاقات بينه وبين الحكومة وبذلك بدأت صفحة جديدة اكتسب فيها الحزب حضوراً سياسياً وتأثيراً شعبياً فى كل لبنان 0

 

مؤتمر مدريد :

 

نظر حزب الله لمؤتمر مدريد المنعقد فى تشرين الأول (أكتوبر 1991) باعتباره انقلاباً فى الصراع العربى الصهيونى حيث تحول الصراع من صراع عسكرى (وجود) الى صراع سياسى (حدودى – أمنى) ومن هنا جاءت مخاوف الحزب من هذا المؤتمر وزاد من قسوة الحدث حضور سوريا ولبنان والاشتراطات الامريكية لمعالجة (الصراع المسلح) بين لبنان واسرائيل وأن أى مساحة اتفاق أو تسوية يعنى التطبيع الاقتصادى والثقافى والاتفاق الأمنى والذى يعنى تعطيل أو انهاء المشروع المستقبلى (الاستراتيجى) لحزب الله وهو إزالة اسرائيل من الوجود ، وتعطيل ما بدأته المقاومة من إعادة انتاج مجتمع الحرب 0

 

كان المؤتمر يضع المقاومة امام تحديات غاية فى التعقيد مما تطلب الحذر من الاقدام على أى خطوة من الخطوات الا بعد دراسة مستفيضة وعليها ان تراعى أمرين هما : الحفاظ على الأمن والسلم الداخلى ، الحفاظ على العلاقات السورية 0

 

كانت سوريا تشترط لاستكمال السلام استرداد الجولان فى الوقت الذى رفضت فيه حكومة الائتلاف الاسرائيلية تقديم أى تنازلات أو إعادة الأرض المحتلة 0

 

نتج عن تعقيدات الصراع وتراكمه التاريخى استحالت الوصول الى أى تسوية عاجلة ، كانت هذه رؤية حزب الله التى تستند على قاعدة دينية وترى ان عليها ان تؤدى واجبها فى المقاومة بغض النظر عن المخاطر أو التطورات ، وعليه فقد تواصلت العمليات العسكرية طالما ان هذه المباحثات لا تشترط وقف العمليات العسكرية 0

 

اختلاف معارضة حزب الله للمؤتمر عما سواه من القوى العربية والاسلامية ينبع من ان الحزب يلقى دعما وتأييداً لبنانياً وسورياً وعربياً واسلامياً وأى تعبير عن هذه المعارضة بشكل غير صحيح قد يضعه أمام تصادم مع بعض القوى والأطراف وخاصة سوريا التى فصلت بين مشاركتها فى المؤتمر وبين دعمها للمقاومة ورأت فى هذا المنهج الحزبى حق يمارسه حزب عربـى ووطنى له رؤيته الخاصة فى الصراع 0

 

هذا وقد تلى خطوة تصعيد المقاومة والمظاهرات محاولة تأسيس تحالف اسلامى لمواجهة المشروع الامريكى فى مدريد وذلك أثناء حضور مؤتمر لدعم الانتفاضة الفلسطينية فى طهران0

 

طرح الحزب وجهة نظره على لسان الأمين العام وقتها الشهيد السيد عباس الموسوى والتى تقتضى تصعيد نشاط المقاومة فى لبنان وفلسطين وعلى الدول العربية ان تتحمل مسئولياتها الكبيرة وعدم التفريط فى الحقوق المقدسة ، كانت رؤيته أن مؤتمر (مدريد) يهدف الى القضاء على القضية الفلسطينية ، والسلام الذى تريده أمريكا واسرائيل هو السلام الجائر الذى تفرضه القوى المستكبرة ، وهى مؤامرة على مصير الأمة الاسلامية والعرب والفلسطينيين والقدس0

 

نظر الحزب الى هذا المؤتمر (مدريد) بأنه لا يلزمه بشىء وليس معنى به وبقراراته ، والتقى مع الدولة اللبنانية التى كانت تبحث عن أداة دولية لتنفيذ القرار 425 الذى يقضى بالانسحاب الاسرائيلى من الأراضى اللبنانية ولكنها لم تجد ، وكذلك التقى مع سوريا التى لم تجد الا التعنت الاسرائيلى فى الجلاء عن الجولان 0


 

الحزب والانتخابات النيابية

 

كانت الانتخابات البرلمانية أحد النتائج لاتفاقية (الطائف) ورغم كل الضغوطات التى كانت تمارس على رئيس الجمهورية لتعطيل الاجراءات الخاصة بالانتخابات حتى تظل القوى المارونية محتفظة بالسلطة وحدها دون أدنى مسئولية 0

 

وقد عارض الحزب العرض الذى قُدم له بترشيح عدد من أعضاءه لتعيينهم فى المجلس النيابى الا ان الحزب رفض هذا العرض لا لأعضائه ولكن من حيث المبدأ ، لأن التعيين لا يخضع لارادة الناس ، فى بداية عام 1991 بدأ النقاش حول امكانية المشاركة فى الانتخابات البرلمانية وامتد النقاش لأكثر من ثلاثة أشهر على مستوى القاعدة والقيادة ، وكان هناك تحسبات من عدم وجود ضمانات تسمح بأن يعبر الناس عن آرائهم دون ممارسة ضغوط ، وضرورة توفير مناخ يسمح بنزاهة هذه الانتخابات حتى تكون معبرة عن رأى الشعب ، ومع اقتراب شهر " المحرم " أعلن الحزب قراره بخوض الانتخابات وفق ضوابط وشروط تقوم على حرية الاختيار والنزاهة واصلاح قانون الانتخابات ، وكان لاختيار التوقيت سبب جوهرى هو الاستفادة من احتشاد الناس أيام عاشوراء وهى مناسبة لايصال رأى الحزب الى أكبر قدر من جمهوره فأعلن الحزب عن برنامجه الانتخابى فى تموز (يوليو 1992) والذى يتضمن ستة نقاط هى :

 

أولاً : المقاومة ضد الاحتلال حتى تحرير كامل التراب الوطنى وهذا يتطلب:

 

-  التزام خيار المقاومة وتكفل المقاومين وتوفير الاحتضان الشعبى والرسمى لهم 0

 

-  وضع برنامج لبناء مجتمع الصمود والمقاومة وخاصة فى مناطق الجنوب والبقاع 0

 

-  مساهمة الدولة بجميع مؤسساتها فى عملية التحرير والدفاع وخاصة مؤسسة الجيش 0

 

-  تبنى قضية الرهائن والمعتقلين فى سجون العدو 0

 

-  رفض وإدانة كل محاولات الصلح مع الكيان الصهيونى وإحباط أى محاولة للتطبيع على أى مستوى 0

 

ثانياً : إلغاء الطائفية : التى هى السبب الرئيسى للفساد والمآسى والكوارث الثقافية والسياسية والأمنية والاجتماعية والانمائية وهى المدخل الخبيث لقوى الاستكبار الطامعة وأن من أول مهام مرشحى الحزب بالتعاون مع جميع الأصدقاء المخلصين إلغائها 0

 

ثالثاً : قانون الانتخابات : تعديل قانون الانتخابات بما يتيح للشعب اختيار ممثليه من خلال الاختيار الحر المباشر واعتماد سن الـ 18 سنه للناخبين0

 

رابعاً : الحريات السياسية والاعلامية :

 

-  ضمان حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية واحترام حرية الأديان السماوية 0

 

-  تشريع القوانين التى تكفل حرية العمل السياسى 0

 

-  تنظيم الاعلام فى اطار الانسجام مع الهوية اللبنانية والانتماء الحضارى والالتزام بالآداب العامة والأخلاق وحفظ حق الاعلام الخاص وفق المشار اليه دون وصية من السلطة .

 

خامساً : الجنسية : وضع قانون عصرى للجنسية يتجاوز الاعتبارات الطائفية والمحسوبيات السياسية دون تمايز فئوى أو عرقى أو مذهبى ، وتأمين العودة الشاملة لجميع المهجرين 0

سادساً : الصعيد الادارى والانمائى والاجتماعى والتربوى :

1 – الادارى : الغاء الطائفية الوظيفية واعتماد الكفاءة بدل المحسوبية ، تأهيل دورى للموظفين بحسب مقتضيات التطور التقنى – تعزيز التفتيش الادارى 0

 

 

2 – المستوى الانمائى :

 

-  حماية المنتجات المحلية وتنمية الموارد الذاتية عبر دعم القطاعين الزراعى والصناعى وتأمين فرص عمل للأيد العاملة وتأمين أسواق خارجية 0

 

-  تنمية البنية التحتية للمناطق المستضعفة وتحسين الخدمات واعتماد التوازن الانمائى بين المناطق 0

 

-  دعم الانتاج الحيوانى ومساعدة صيادى السمك وتشجيع الحرف اليدوية0

 

3 – على المستوى التربوى والثقافى :

 

-  تعزيز التعليم الرسمى ، لاسيما القطاع المهنى وتحقيق الزامية التعليم حتى المرحلة المتوسطة على الأقل0

 

-  رعاية المتفوقين وتعزيز البحوث داخل الجامعة 0

 

-  إعادة تعريب التعليم وكتابة مادة التاريخ وفق منهج موضوعى والتزام المعايير الانتمائية والحضارية اللبنانية 0

 

-  إعادة تنشيط دور المعلمين فى جميع المراحل وتعزيز أوضاعهم المهنية والمادية 0

 

4 – المستوى الاجتماعى :

 

-  تشريع قانون يوفر الضمان والرعاية الاجتماعية والصحية لكل أصحاب المهن الحرة وضمان الشيخوخة 0

 

-  اصلاح المؤسسات المعنية بتقديم العون والضمان الاجتماعى والصحى0

 

-  بناء المستشفيات والمراكز الطبية الحكومية فى كل المناطق اللبنانية 0

ثم أعلن الحزب عن قائمة مرشحيه التى تم تشكيلها فى البقاع والمشكلة من ثمانية أعضاء وعن دائرة بعلبك – الهرمل عشر مقاعد [ أربعة من الحزب ، وأربعة من الحلفاء ، واثنين من المسيحيين ] وقد سبق اعلان القائمة اتصالات ووساطات لتلافى معركة انتخابية مع قائمة اخرى موازية فى القوة هى قائمة رئيس المجلس النيابى حسين الحسينى والذى أصر على الاحتفاظ بتسعة مقاعد وإعطاء مقعد واحد للحزب ثم تنازل بعد الوساطات وقبل إعطاء مقعدين وهذا ما لم يقبله الحزب وأصبحت المنافسة الانتخابية حتمية 0

 

كان قرار الشورى بخوض الانتخابات يفرض على كل فرد أن يتحمل المسئولية الشرعية المباشرة عن النجاح أو الفشل ودلالة هذا حصول نواب الحزب على أعلى الأصوات 0 واذا كان قرار خوض الانتخابات فاجأ الكثير فإن الأكثر مفاجأة هى نتائج المرحلة الأولى وأصبحت النتيجة كافية للدلالة على المسار الذى ستسلكه باقى النتائج فى بيروت والضاحية التى حصل فيها مرشحى الحزب على أعلى الأصوات 0

 

بدأت معركة الجنوب التى كانت لها طبيعة خاصة لاعتبارها المفصل الذى سيحدد مصير الانتخابات برمتها ، وكادت أن تتحول الى مواجهة انتخابية بين القوى لولا تدخل وسطاء اقليميين ومحليين حتى تم تشكيل قائمة واحدة تضم كل ألوان الطيف السياسى والطائفى 0 استهدف الحزب إبعاد الجنوب عن أى اهتزاز أمنى حتى ولو على حساب عدد مرشحيه وجاء قرار الشورى بالمشاركة فى القائمة المجمعة والتى سببت للناخبين الحزبيين حرج حيث ان القائمة ضمت أشخاص كانوا دائماً محل انتقاد من جميع الناس 0

 

حصل مرشح الحزب على أعلى نسبة فى الأصوات مما يدلل على شعبية الحزب الواسعة التى أكسبته مساحة عمل جديد داخل الحياة السياسية اللبنانية 0

 

وأصبح له كتلة برلمانية من اثنى عشر نائباً [ثمانية لأعضائه وأربعة لحلفائه] وأصبح له كتلة برلمانية استطاعت طرح الاشكالات اللبنانية فى البرلمان وفق البرنامج المعلن والتى التزمت به [كتلة الوفاء للمقاومة] أمام الشعب من اصلاح داخلى وإلغاء الطائفية وتحسين الاقتصاد وتوسيع المشاركة السياسية وتأمين فرص عمل واصلاح التعليم وتحرير الجنوب 0

 

سيد شهداء الجنوب

 

وبعودة الى مؤثرات اخرى فى مسار الحزب يأتى حادث استشهاد السيد عباس الموسوى الذى مثل نقلة نوعية من مرحلة الصمود الى مرحلة المقاومة والتحرير 0

 

لقد كان السيد عباس الموسوى أحد أكبر مؤسسى الحزب والعضو الدائم فى الشورى والأمين العام الثانى للحزب تتلمذ على يد الامام المغيب السيد موسى الصدر ، ثم ارتحل الى النجف ليقترب وينهل من علم الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر بدأ رحلة الصعود من خلال تجمع العلماء فى البقاع ثم استطاع ان يهيىء مستقراً للحرس الثورى الايرانى فى البقاع بعد الاجتياح الاسرائيلى فى 1982 وساهم فى تشكيل النواة الأولى والاطار السياسى للمقاومة الاسلامية (حزب الله) انتخب السيد من بين تسعة أعضاء لوضع الصياغة الأولية للحزب واختير متحدثاً باسم وفد الحزب فى أول لقاء بالامام الخمينى (الولى الفقيه) ثم انتخب أميناً عاماً للحزب فى آيار (مايو1990) 0

 

استشهد (رضوان الله عليه) هو وزوجته أم ياسر وطفله حسن فى عملية اغتيال نفذتها مروحيات اسرائيلية فى شباط (فبراير 1992) بعد عودته من احتفال فى بلدة جبشيت فى الذكرى السنوية التى يقيمها الحزب لرفيق دربه وجهاده (شيخ شهداء الجنوب) الشيخ راغب حرب 0

 

بعد عملية اغتيال السيد عباس بدأ الحزب يستحدث أسلوب الحرب الأمنية بموازاة الحرب العلنية وأخذ يفتش فى تحقيقاته عن الاختراقات الاسرائيلية للحزب وهل حصل اختراق فعلاً أم لا ؟ كانت النتيجة هو استحداث أسلوب الحرب الأمنية عن طريقة شل أنشطة الاستخبارات الاسرائيلية واستطاع الحزب أن ينجز هذه المهمة ، وأن يحبط عمليات عديدة لخطف أو اغتيال السيد حسن نصر الله الذى خلف السيد عباس الموسوى فى منصب الأمين العام ، وتم اعتقال شخص جندته الاستخبارات الاسرائيلية لجمع المعلومات عن السيد وحركته ليقوم بإبلاغها لقوات الكوماندوز الاسرائيلى لتقتحم بيته لاغتياله أو خطفه ، وتم أيضاً إفشال محاولات عدة مماثلة استهدفت قياديين حزبيين أمثال الشيخ صبحى الطفيلى ، والشيخ نعيم قاسم وغيرهم 0

 

نجح الحزب فى رصد وملاحقة كل العملاء واستطاع تفكيك العديد من الشبكات ومنع اسرائيل من القيام بأى عمل مباغت ، ونسج الحزب فى هذا الاطار تعاوناً وثيقاً مع أجهزة الأمن اللبنانية والسورية وتم اعتقال العديد من المتورطين وتقديمهم للمحاكمة 0

 

لقد أدت الحملة الأمنية على العناصر الاستخبارتية والعميلة الى إفقاد اسرائيل ميزة كانت تتفوق بها على كل الدول العربية وهى توفر قاعدة معلومات تساعدها على شن الهجمات الخاطفة التى تفاجىء أعداءها وتحقق لها الانتصار

 

كان لهذا النجاح فى اعتماد الحرب الأمنية كأحد أساليب الحرب المقاومة أن فشلت كل الاعتداءات الاسرائيلية ويتمكن الحزب من أسلوب المباغتة مما كان له أكبر الأثر فى التحرير الذى أنجز لاحقاً فى 25/5/2000 0

 


 

الفصل الثالث

المقاومة والتحرير

 

كانت السمة الغالبة للمرحلتين السابقتين بالنسبة لحزب الله التوتر والعمل فى بيئة غاية فى الصعوبة والارتباك سواء فيما يتعلق بالبناء السياسى للحزب أو العلاقات مع سوريا أو التعاطى مع الواقع السياسى اللبنانى ، كما كانت هناك أطراف عديدة مسئولة عن المقاومة والقيام بعمليات ضد القوات الاسرائيلية المحتلة سواء بالإدعاء أو بمباشرة المقاومة الفعلية الا أن هذه المرحلة تميزت بالاستقرار التنظيمى والسياسى الحزبى وبناء علاقات استراتيجية مع سوريا كما لاقت المقاومة دعماً ومساندة عربية واسلامية واسعة 0

 

تجلت أهم مظاهر الاستقرار الحزبى فى سهولة اختيار سماحة السيد حسن نصر الله أميناً عاماً خلفاً لسماحة السيد عباس الموسوى (رضوان الله عليه) والسيد نصر الله هو أحد أهم قيادات الحزب وأحد مؤسسيه وهو تلميذ للسيد الموسوى فى مدرسة الامام المنتظر فى بعلبك ، وكان يشغل موقعاً مهماً فى المكتب السياسى لحركة أمل وقت الاجتياح فى 1982 ، وهو حاصل على درجة (درس خاص) فى المذهب الشيعى الجعفرى وكان يشغل منصب رئيس الهيئة التنفيذية ثم مهمة التعبئة الفكرية قبل استشهاد السيد عباس الموسوى (سيد شهداء المقاومة الاسلامية) وبعد استشهاده كلفت الشورى السيد نصر الله ليكون أميناً عاماً للحزب والذى قاده فى مرحلة دقيقة وبالغة الصعوبة الى تحقيق النصر ، فى هذه المرحلة رفعت المقاومة من أدائها العسكرى وأخذ عناصرها يحترفون القتال بعدما باتوا فى مواجهة مباشرة مع أحد أقوى الجيوش فى العالم 0

 

تشكلت على طول الجبهة أربعة محاور تغطى المنطقة الممتدة من الساحل قرب صور حتى البقاع الغربى ، وزودت هذه المحاور بالرجال والعتاد حتى تكون مستقله فى الدفاع عن المنطقة اذا دعت الحاجة دون العودة الى القيادة أو طلب الإاسناد، ولم يعد الاسرائيليون وحدهم مَّن يطلقون النار، وفُرض عليهم البقاء لأوقات طويلة فى المخابىء والحصون نظراً لأن نيران المقاومين تطلق من مواقع غير ثابتة وغير مكشوفة يصعب رصدها أو استهدافها فقد اعتمدت على أسلوب المناورة الميدانية التى جعلت القوات المحتلة فى حيرة واستحدثت أساليب عديدة كزرع العبوات ، ونصب الكمائن ، والإغارات ، والإسناد النارى للتغطية والانسحاب ، والكثافة النارية للتمهيد الهجومى ، كل هذا جعل الخبراء الاسرائيليون يشعرون بقلق بالغ لتلك الندية فى القتال 0

 

لم يكن هناك عائق أمام المقاومة للسيطرة على الجنوب والتفوق على قوات الاحتلال الا الخوف على سلامة المدنيين وحمايتهم من وحشية الهجوم الاسرائيلى ، ولهذا بدأت قيادة الحزب تبحث عن أسلوب للتعامل مع هذا الوضع ، وكان القرار هو التعامل مع العدو بالمثل واستهداف المستوطنات الشمالية فى الجليل بالكاتيوشا 0

 

النصف الأول من شهر تموز (يوليو) 1993 المقاومة الاسلامية تقوم بعملية أوقعت خمسة قتلى ، وفى يوم 22 من نفس الشهر عملية اخرى ضد تسعة مواقع اسرائيلية ولحدية إضافة الى استهداف دوريات وبدأ معها عملية اطلاق نارى لمنع القوات المحتلة من التقدم وتأمين انسحاب المجاهدين وتم تنفيذ المهمة بدقة متناهية 0 ساعد على ذلك تلك الحرب الأمنية التى اعتمدها الحزب لمعرفة معلومات كافية عن المواقع الاسرائيلية واللحدية وعدد أفرادها ، وأسلحتها ، وطرق الإمداد ، والدوريات والمراكز السرية ، ومنازل العناصر العميلة ، كل هذا كان له أبلغ الأثر فى تنفيذ العمليات الكبرى بدقة ونجاح 0

 

كانت اسرائيل وأمريكا تسعى لوضع حد لتلك القوى المتعاظمة فى الجنوب اللبنانى لفك الارتباط السورى اللبنانى وحتى يتمكنا من تنفيذ صفقة سياسية مع الحكومة اللبنانية لتوقيع اتفاقية الحكم الذاتى مع منظمة التحرير الفلسطينية والمعروفة بـ (أوسلو) وفى مطلع حزيران ازداد الضغط الأمريكى على الحكومة اللبنانية مع تزايد الحشود العسكرية الصهيونية فى الجنوب اللبنانى 0

 

 

 

 

الحرب السابعة تموز 93 [2] :

 

فى العاشرة والنصف صباح يوم الأحد 25 تموز (يوليو) أغارت الطائرات الحربية الاسرائيلية على الجنوب والبقاع وفتحت نيرانها واستمر القصف يتسع نطاقه مما كان يعنى أنها ليست اجراء أمنى معتاد ، ودعا حزب الله الى اجتماع لقيادة المقاومة لتدارس الموقف ووضع التصورات حول هذا الهجوم وكيفية التعامل معه تم وضع الخطة والتى كان هدفها :

 

-  المبادرة بالهجوم على المواقع الاسرائيلية 0

 

- استخدام قوة نيران كثيفة ضد المواقع والمستوطنات الاسرائيلية شمال الجليل.

 

- حث الأهالى على الصمود وألا يتركوا قراهم مع توفير كل ما يلزم الأهالى0

 

كانت الهجمات الاسرائيلية تستهدف إحراق الأرض لإحداث عملية نزوح للسكان باتجاه بيروت للضغط على الحكومة مع كسر إرادة المقاومة وحذفها من المعادلة العسكرية ولتوسيع الحزام الأمنى ليشمل الجنوب كله ودفع الحكومة الى طاولة المفاوضات وفرض شرط مبدئي عليها هو نزع سلاح حزب الله حتى يتوقف القصف ، ونفذت اسرائيل نحو هذا الهدف 1300 غارة وأطلقت 30 ألف قذيفة على مدى سبعة أيام 0

 

بدأ حزب الله فى تنفيذ خطته بفتح نيرانه على المواقع الاسرائيلية فى برعشيت والدبشة والشومرية ومواقع الميليشيات العميلة مع استهداف مستوطنات الجليل بالكاتيوشا 0

 

استطاع حزب الله أن يمتلك الزمام بيديه من توحيد الجبهة الداخلية وتثبيت الأهالى فى القرى وإجبار سكان المستوطنات الشمالية الاسرائيلية على النزوح الى داخل (اسرائيل) لممارسة ضغط على الحكومة الاسرائيلية والرأى العام ، وبدأ يلوح فى الأفق أزمة داخلية ومأزق سياسى لحكومة الكيان وبدأت تستنجد بأمريكا ، فتحركت دبلوماسيتها لتدين الهجوم على اسرائيل وتحمل ايران وحزب الله المسئولية وتدعو الى وقف العنف وضبط النفس 0

 

أجرى وزير خارجية أمريكا كريستوفر اتصالاً برئيس الحكومة اللبنانى رفيق الحريرى ووزير خارجية سوريا فاروق الشرع وكان المطروح اتفاق لوقف اطلاق النار 0

 

توجهت الأنظار الى سوريا حيث حضر وزير خارجية ايران د0 على أكبر ولايتى للمشاركة فى مساندة حزب الله وبدأت اجتماعات بين وفد حزب الله وعلى ولايتى ووقفت سوريا ولبنان لمساندة حزب الله ومنع ممارسة أى ضغوط عليه وحدد الحزب شروطه وهى :

 

-  منع تحليق الطائرات الحربية فوق لبنان ووقف الهجمات التى تستهدف المدنيين 0

 

رأت سوريا وايران امكانية تحقيق هذا الشرط فى صورة تحييد المدنيين من الطرفين وتم إبلاغ كريستوفر بهذه الصيغة ونظراً لصعوبة الموقف الاسرائيلى فقد وافق وتم الاتفاق على وقف اطلاق النار على هذا الشرط وأن يبدأ فى السادسة مساء يوم 31 تموز(يوليو) 1993 0

 

حاول الأمريكان والصهاينة الالتفاف حول الاتفاق وعمل ترتيبات أمنية مع الجانب اللبنانى بعيداً عن سوريا لنشر قوات الجيش اللبنانى حتى يتحمل مسئولية أى نشاط لحزب الله ،ووقف العمليات العسكرية فى الشريط المحتل 0

 

هذا ما عبر عنه رابين فى هاآرتس (فى إطار التفاهم ترسل قوة من الجيش اللبنانى للانتشار على طول الجبهة ولو نفذ ذلك لأمكن التغلب على قسم من نشاط حزب الله) 0

 

وفى الأول من آب (أغسطس) 1993 اجتمع مجلس الوزراء اللبنانى واتخذ قراراً بنشر الجيش فى منطقة عمليات القوات الدولية وشكلت لجنة برئاسة الحريرى وعضوية وزيرى الدفاع والخارجية لاجراء الترتيبات والتنفيذ لقى هذا القرار موافقة من الأمم المتحدة وترحيباً من أمريكا واسرائيل 0

 

فى اليوم الثانى للاجتماع اجتمع مجلس الدفاع الأعلى برئاسة رئيس الجمهورية الياس الهراوى وقرر وقف العمل بتراخيص السلاح ونقله ودون الرجوع الى وزارة الدفاع تحت دعوة (منع الفتنة والفوضى)، وأعلن سماحة الأمين العام لحزب الله (اذا كان البعض يريد للجيش أن ينتشر فليفتش عن عنوان غير الفتنة لأنه ليس هناك فتنة) ، وعاد سماحته فأعلن ان هناك معلومات متداولة اذا صحت يمكن ان تنتج عنها فضيحة سياسية بمستوى الخيانة 0 أرسل الحزب أحد قيادييه الحاج / حسين الخليل الى دمشق والتى لم يعرف مسئوليها هذا القرار الا عبر وسائل الاعلام ، وما كان يدعو الى الريب هو إخفاء هذا الأمر عن سوريا مما يعنى وجود ترتيبات مع الأمريكان بالإضافة الى عنوان (الفتنة والفوضى) 0

 

بعد حوار هاتفى بين الرئيسين السورى واللبنانى بدأت لبنان تتنصل من الأمر وانقلبت السياسة اللبنانية على نفسها وانكشف الوضع السياسى على ازدواجية واضحة، وأعلن رئيس المجلس النيابى (أن هذه الخطوة لى شرف المشاركة فيها وأنه لا خوف على المقاومة ولا على الجيش) ورفض رئيس الحكومة نزع سلاح حزب الله 0

 

وفى الوقت الذى كان حزب الله يحصد النتائج السياسية لانتصاره ، كان يتحرك على خط آخر لمساعدة الأهالى للتغلب على الأضرار الناجمة عن القصف الصهيونى ، وبدأت خطة الترميم وإعادة الإعمار بدأت عناصر حزب الله تضع السلاح جانباً وتباشر أعمال الإصلاح والترميم وفتح الطرق وتأمين المساكن وما يلزم العائدين من خلال مؤسسة (جهاد البناء) التابعة لحزب الله ، وتم ترميم واصلاح المساكن وفتح ورش عمل وتجنيد العديد من العمال والفنيين والمهندسين ودفع تعويضات للذين هدمت منازلهم ليتحد الحزب والشعب فى خندق المقاومة 0 حاول الاسرائيليون تحصيل مكسب إعلامى بعد الخسائر العسكرية والسياسية الكبيرة ، لإقناع الرأى العام أن الحصيلة النهائية كانت لصالحهم، جاء رد حزب الله على هذه الدعاية عملياً حيث قامت المقاومة فى 19 آب / أغسطس 1993 بعمليتين فى بلدة شيخين نتج عنها مقتل تسعة جنود وجرح خمسة فى الوقت الذى خيم الهدوء على الجنوب وأصبح الجيش الاسرائيلى مكبل وعليه أن يتكيف مع الوضع الجديد 0

 

مؤتمر شرم الشيخ

 

مع قرب انتهاء شباط (فبراير) 1996 وطوال تسعة أيام من 24 شباط / فبراير حتى 14 آذار/مارس كانت اسرائيل تتعرض لأصعب حرب استنزاف فى تاريخها حيث قامت حركتى الجهاد الاسلامى فى فلسطين و(حماس) بتنفيذ مجموعة من العمليات استهدفت حسب تعبير بنيامين اليعازر (تدمير معنويات الشعب والجيش) فأوقعت فى صفوفه ما يقرب من ألف مصاب وحوالى 200 قتيل، ومن أجل مساعدة اسرائيل المنهارة معنوياً أطلق الرئيس الامريكى بيل كلينتون فى 6 آذار (مارس) فكرة عقد مؤتمر دولى لبحث الارهاب فى الشرق الأوسط ، وأعلن بيريز أن اسرائيل وأمريكا تسعى لإقامة تحالف دولى لضرب الارهاب ولعزل ايران التى توفر الدعم المالى والسياسى ، وأن قمة شرم الشيخ ستكون تعبيراً عن الدعم الدولى لاسرائيل فى معركتها وحدد أعدائه فى المنطقة (حزب الله ، الجهاد ، حماس) 0

 

عقد المؤتمر فى شرم الشيخ بمصر فى 13 آذار (مارس) 1996 تحت اسم (صُناع السلام) وجاء بيانه الختامى بوجوب تقديم الدعم الكامل لعملية السلام ومنع أعداء السلام من تدمير فرصة السلام الحقيقية فى المنطقة ، ودعا الى اجراءات ثنائية وواقعية لمحاربة الارهاب ، وفى المقابل كانت تحليلات معظم الصحف ووسائل الاعلام وخاصة الغربية تقول كما جاء فى صحيفة الشرق الأوسط (ان قمة شرم الشيخ تحقق لاسرائيل كسباً كبيراً وتمنحها تفويضاً دولياً لمكافحة الارهاب) وفور مغادرة كلينتون شرم الشيخ قام بزيارة الى تل أبيب استغرقت (21 ساعة) كما حضر هو ووزير خارجيته ومدير المخابرات المركزية اجتماع مجلس الوزراء المصغر (أعلى سلطة فى اسرائيل) وتم الاتفاق على بروتوكول مكون من شقين الأول يشمل الحرب على الارهاب والتزام الجانب الامريكى بتبادل معلومات وتقديم معدات أمريكية لكشف المتفجرات كما منحهم كلينتون 100 مليون دولار ، والشق الثانى ويشمل توقيع معاهدة دفاع مشترك تم توقيعها بالأحرف الأولى وتلتزم فيها أمريكا بالمحافظة على التفوق النوعى للجيش الاسرائيلى فى مواجهة الجيوش العربية ، ومنح اسرائيل وضعاً مماثلاً لدول حلف شمال الأطلنطى والتعاون ضد التهديدات البعيدة المدى مثل صواريخ أرض – أرض والأسلحة غير التقليدية وارسال أسلحة فى حالة الطوارىء ، التعاون فى مجال تطوير المعدات العسكرية وتعيين لجنة مشتركة لتشكيل قوة دفاع اقليمية بمشاركة دول اخرى فى المنطقة 0

 

وفى تصريح لكلينتون أوردته صحيفة (السفير) اللبنانية أن حزب الله وحماس والجهاد لن ينجحوا فى تخريب السلام وأن شرم الشيخ ليس سوى بداية على طريق مكافحة الارهاب وأكمل " سنتعقبهم 00 سنقتلهم " ، كما صرح بيريز ان " لهذه الاتفاقية هدف واحد هو تصعيد الحرب ضد المنظمات الاسلامية المتشددة وعزل ايران " 0

 

الحرب الثامنة نيسان 1996 [ عناقيد الغضب ] [3]

 

كانت أهم النجاحات التى حققها حزب الله على صعيد الصراع العربى الصهيونى هو تفاهم تموز / يوليو 1993 الذى استطاع فيه حزب الله إلزام اسرائيل بعدم الاعتداء على المدنيين وان يبقى الشريط المحتل هو ميدان العمليات وكانت حصيلة عام 199583 عملية ذهب ضحيتها 151 قتيل من الجانب الصهيونى وعملائه ، وقامت المقاومة بتنفيذ عملية فى 14 آذار / مارس فى منطقة العيشية – الريحان (جزين) أدت الى جرح 8 جنود ، ثم قامت بعدها بتنفيذ عملية استشهادية على طريق العديسة – الطيبة فى عمق الشريط المحتل وأسفرت عن مصرع نقيب 0

 

وبعد سيل من الاتصالات من جانب اسرائيل لسوريا لتمارس ضغط على حزب الله رفضت سوريا هذا الدور على اعتبار أن حزب الله يقوم بدور مقاومة احتلال لأرضه وأن من الصعب ضبط قوات غير نظامية 0


 

بدأت اسرائيل فى التصعيد لإسقاط تفاهم تموز / يوليو ، فصعدت من الموقف وارتكبت مجزرة فى بلدة ياطر ، وردت المقاومة بإطلاق 28 صاروخ كاتيوشا باتجاه مستعمرات نهاريا وصفد وكريات شمونه ، وفى التاسع من نيسان / أبريل زرعت قوات الاحتلال عبوات فى برعشيت أدى الانفجار الى قتل فتى واصابة ثلاثة آخرين ، أطلقت المقاومة 16 صاروخ كاتيوشا أوقعت 36 جريحاً صهيونياً ، ودكت المقاومة موقعاً للاحتلال فى بلاط داخل الشريط فقتلت جنديين اسرائيليين وفى هذا اليوم حصل بيريز على ضوء أخضر أمريكا لشن عملية عسكرية على لبنان صرح مسئول أمريكى (بعد سقوط الكاتيوشا نسمع أصوات اسرائيليين مختلفة تطلب الرد ، وفى اعتقادى أن شمعون بيريز ينصت لهذه الأصوات) 0

 

حزب الله كان يراقب كل هذه التطورات منذ انعقاد مؤتمر شرم الشيخ وحالة التوتر الطويلة والحشود العسكرية الاسرائيلية على لبنان أعطت حزب الله الفرصة لدراسة الوضع ميدانياً قبل بدء الحرب بما كان له أثراً بليغاً فى حماية عناصره وسلاحه وانتصاره بعد ذلك أفقد العدو المفاجأة 0 كما كانت لتجربة حرب تموز / يوليو أكبر الأثر حينما درسها الحزب واستفاد منها فى عمل خطط للطوارىء 0

 

فى فجر يوم الخميس 11 نيسان / أبريل 1996 بدأ سلاح الجو الاسرائيلى ضرب العمق اللبنانى فى بعلبك وبيروت وكانت الحرب صورة مكررة من حرب (عاصفة الصحراء الامريكية فى العراق) التى اعتمدت على استراتيجية الهجوم الجوى الشامل والقصف من البحر والبر بالإضافة الى عقد مؤتمر صحفى مساء كل يوم لعرض مسار العمليات وتوجيه رسائل سياسية للطرف الآخر 0

 

بدأ الحزب يعطى أوامر للمقاومين للعمل على عدة محاور منها توجيه الكاتيوشا الى المستوطنات، والتأهب لمواجهة أى تقدم برى، ووقف أى تحرك للوحدات الخاصة الاسرائيلية وتأمين أفضل السبل لحماية قوة الإسناد النارى ، العمل على حماية السكان الصامدين ومساعدتهم على البقاء ، ومع حلول اليوم الثانى كان الهجوم الاسرائيلى شمل بيروت والبقاع ، الجنوب والجبل لتكون الرسالة هي أن اسرائيل أزالت تفاهم تموز / يوليو من الوجود وتفرض قواعد جديدة ومع حلول الثامن عشر من نيسان كان الجيش الاسرائيلى قد ارتكب أربعة مجازر بدءاً من مجزرة سحمر فى 12 نيسان / أبريل وكان أكثرها وحشية مجزرتى يوم 18أبريل 1996 فى النبطية الفوقا وقانا وكانت للتغطية الاعلامية المباشرة والصور المفزعة للجثث المقطعة ومنظر الأطفال المكدسين فى أكياس البلاستيك وبرك الدم أثرها البالغ فى تفجير حالات الغضب الشعبى العالمى وأحرجت الأمم المتحدة التى أرسلت لجنة تحقيق وحمّلت الجانب الاسرائيلى المسئولية الكاملة عن المذابح وتحركت أمريكا لانتشال اسرائيل من ورطة إدانة دولية ودعت الى وقف اطلاق النار فقط ، بما يعنى إسقاط تفاهم تموز وحرية اسرائيل فى استباحة القرى والمدن اللبنانية 0

 

هذا فى الوقت الذى التفت الحكومة اللبنانية والشعب حول حزب الله الذى أصبح رمزاً للجهاد ودعته الى مواصلة هجماته على القوات الاسرائيلية والمستوطنات؛ فى الوقت الذى كان عليه أن يدخل فى معركة اخرى دبلوماسية بالغة الخطورة فى دمشق التى تحولت الى مركز للتفاوض حيث وفد اليها الدبلوماسيين من دول عديدة ايران ، وروسيا ، فرنسا ، وايطاليا ، وأمريكا 0 كانت دمشق تعبر عن وجهة نظر حزب الله فى الوقت الذى كانت أمريكا تتقدم كشريك لاسرائيل 0

 

عرض حزب الله على سوريا مجموعة من الثوابت وهى :

 

-  حرية عمل المقاومة، وحركة مقاتليها ضد الجيش الاسرائيلى والميليشيات العميلة 0

 

-  عدم تقييد العمليات بأى عامل زمانى أو مكانى ورفض أى مقترحات حول تجميد عملياته لو لفترة محدودة 0

 

-  الحصول على ضمانات حقيقية لحماية المدنيين اللبنانيين 0

 

 

وتحت ضغط الكاتيوشا والاعلام العالمى والأوروبى والروسى والرأى العام العالمى والاسرائيلى الداخلى وقرب الانتخابات الاسرائيلية رضخت اسرائيل0

 

حضر كريستوفر الى دمشق واجتمع بالرئيس السورى يوم الجمعة 25 نيسان / أبريل ووافق كريستوفر على العودة الى تفاهم تموز المكتوب الذى لم يتم التوقيع عليه مع إضافة لجنة مراقبة للتنفيذ وتم وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق 0

 

اجتمع سماحة السيد حسن نصر الله الأمين العام للحزب والوفد المرافق له بوزير خارجية سوريا وخرج سماحته ليعلن تم إقرار مضمون الصيغة التى اتفقنا عليها مع الجانب السورى ، وكان الموعد المحدد لسريان التنفيذ فجر يوم السبت السابع والعشرين من نيسان / أبريل ، أعطى الحزب أوامره للمقاومة لتحديد الوقت المناسب بدقة وموعد وصول الكاتيوشا الى المستوطنات وعدم ترك فرصة للرد ليكون له الضربة الأخيرة كما فى حرب تموز 0

 

نص الاتفاقية :

بعد المحادثات مع حكومتى اسرائيل ولبنان وبالتشاور مع سوريا ، تعتبر الولايات المتحدة ان لبنان واسرائيل سيطبقان الآتى :

 

1 – لن تنفذ المجموعات المسلحة فى لبنان هجمات على اسرائيل بصواريخ الكاتيوشا أو أى نوع من الأسلحة 0

 

2 – لن تطلق اسرائيل والذين يتعاونون معها أى نوع من الأسلحة على مدنيين أو أهداف مدنية فى لبنان 0

 

3 – بصورة أعم يتعهد الطرفان عدم تعريض المدنيين ، أيا كانت الظروف للهجمات وعدم استخدام المناطق المأهولة بالمدنيين ، والمنشآت الصناعية والكهربائية مركزاً لانطلاق الهجمات 0

 

4 – من دون انتهاك التفاهم ، ليس فيه ما يمنع أى طرف من ممارسة حقه المشروع فى الدفاع عن نفسه 0

 

تألفت مجموعة مراقبة من الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا اضافة الى الطرفين لبنان واسرائيل وستكون مهمتهما الاشراف على تنفيذ التفاهم المنصوص عليه وتحال الشكاوى الى مجموعة المراقبة 0

يعلن هذا التفاهم فى وقت واحد الساعة 18.00 فى 26 نيسان 1996 فى كل الدول المعنية والوقت المحدد لتنفيذه هو الساعة 4.50 يوم 27 نيسان 1996.[4]

 

وفى مؤتمر صحفى يوم 26/4/1996 فى الحادية عشر ليلاً أعلن

سماحة السيد حسن نصر الله شكره لكل الأصدقاء والشركاء والشعب والشهداء وفى حديثه عن التفاهم أن أكد أنه تضمن حماية المدنيين اللبنانيين من استهداف العدو لهم وان التفاهم أكد انه يعد نصراً للشعب اللبنانى فى مقاومة الاحتلال وكذلك لجهة إجبار الصهاينة على التزام حدود التفاهم فى عمليتهم العسكرية وكذلك رفع الحصار البحرى عن الموانىء وصيادى السمك، وعبرت الحكومة اللبنانية على لسان رئيس الحكومة رفيق الحريرى فى مؤتمر صحفى (نعتقد بقوة ان هذا التفاهم سيؤدى الى استقرار طويل المدى فى البلاد وفى حماية المدنيين فى شكل قاطع) 0

 

وعبر عنها الجانب الايرانى على لسان وزير الخارجية د0 على ولايتى قال: نتائج ايجابية حصدها حزب الله من العدوان الاسرائيلى بفعل صموده مما أفشل الأهداف الاسرائيلية 0

 

وفى يوم 27 من نيسان وضعت الحرب أوزارها وبدأ الحزب بالتعاون مع الحكومة اللبنانية والكثير من الدول إعادة الاعمار وتعويض المتضررين من القصف الصهيونى كان على رأس المؤسسات (جهاد البناء) التابعة لحزب الله والتى أنشأت 998 ورشة لإصلاح حوالى 926 منزلاً وحوالى 189 محلاً تجارياً وإعادة فتح الطرق فى قطاع بيروت والبقاع ، بنت جبيل، وقانا، وصور، النبطية والقرى التابعة لهم ، وقد تم صرف ما قيمته 8 مليون ليرة لبنانية لكل صاحب منزل وكانت مصادر التمويل من هبات الناس وهيئة دعم المقاومة بالإضافة الى تبرعات الجمهورية الاسلامية الايرانية 0

 

 

 

نتنياهو وسقوط الحلم

 

اشتدت سخونة المسرح السياسى الاسرائيلى أثناء معركة الانتخابات وكانت نتائج (عناقيد الغضب) أحد أهم العناوين الأكثر إثارة والتى استعملها المرشحان (نتنياهو) و(بيريز) لاستقطاب الناخبين حاول (نتنياهو) انتقاد التفاهم وأنه لا يضمن أمن الجيش الاسرائيلى فى الشريط المحتل كما انه لا يلزم دمشق بأن تكبح نشاط حزب الله وعدم وجود نص لإدانة حزب الله اذا قام بعملية داخل الشريط الحدودى وحاول بيريز ان يقول ان هناك ملاحق سرية للاتفاق تمنع حزب الله من تنفيذ عمليات فى الشريط الحدودى وانها لم تعلن لعدم إحراج أطراف الاتفاق0 وجاء الرد من جانب حزب الله خلال شهر آيار / مايو بتنفيذ 7 عمليات و5 هجمات و4 كمائن وعمليتى قصف وكان محصلة القتلى أربعة وستة عشر جريحاً فسقط شمعون بيريز واختار التجمع الصهيونى المتطرف الآخر نتنياهو ، وكان الرد من جانب حزب الله هو عملية مرجعيون فإنطلق صوت مراسل الاذاعة الصهيونية من منطقة الشريط الحدودى وعبر الأثير لتؤكد أن قافلتين عسكريتين من وحدة الارتباط فى مرجعيون خرجتا بفارق زمنى قصير نحو أهداف مختلفة وقد انفجرت عبوة ناسفة فى إحداهما وعندما عاد جنود القافلة الأولى لاستيضاح ما جرى وتقدم العون فجر المقاومون عبوة ثانية فقتل أربعة جنود اسرائيليين وجرح خمسة بالإضافة الى حصيلة الانفجار الأول، لم تمض سبع ساعات حتى سدد المقاومون ضربة ثانية ناجحة للعدو على طريق سجد – الريحان (جزين) أسفرت عن سقوط خمسة جرحى 0

 

بعد شهرين من وصول نتنياهو الى الحكم والهجمات المستمرة من جانب حزب الله طرح مشروع (لبنان أولاً) كمحاولة لفك الارتباط بين سوريا ولبنان وتجريد سلاح حزب الله ، وأبدى استعداده للانسحاب من لبنان اذا ضمنت سوريا اتفاق يوفر الهدوء على الحدود، وكما كان هدف نتنياهو هو فصل المساريين السورى واللبنانى فإن هذا الوضع يمثل بوضوح مدى الضغط الذى يُمارس على الحكومة حول جدوى البقاء فى لبنان ، ونظراً لتصاعد العمليات من جانب حزب الله وفرض سيادته على المنطقة أجرى الجيش الاسرائيلى بعض التعديلات فى تدريباته واعتمد مبدأ حرب العصابات وتنفيذ مبدأ العمليات خلف خطوط المقاومة 0

 

نتيجة لاستهداف القوافل العسكرية ولوقف نزيف الخسائر فى صفوف الجيش تم اعتماد التنقل من خلال الطائرات العسكرية وزيادة فى الاحتياط كان عليها أن تطفىء أنوارها، وفى شباط 1997 اصطدمت مروحيتان على متنهما 73 عسكرياً من جراء احتياطات الأمن السابقة مما أثار حالة من حالات السخط وتم تشكيل لجنة برلمانية لإعادة النظر فى البقاء فى الجنوب 0 قرر نتنياهو القيام بعملية معقدة تنولاها وحدة النخبة وتستهدف العمق الجنوبى لإلحاق خسائر كبيرة فى صفوف حزب الله وإظهار القدوة العسكرية والأمنية (لاسرائيل) 0

 

فى أيلول (سبتمبر) 1997 أعطى نتنياهو أوامره للقيام بالعملية التى روجت لها الصحف الاسرائيلية والمحللين وبأنها سوف تُحدث هزة فى المجتمع اللبنانى وتلحق خسائر فادحة فى صفوف حزب الله ، كانت العملية فى بلدة أنصارية واختير المكان بعد متابعة دقيقة وفى منطقة آمنة لحزب الله يتحرك فيها دون خشية كانت العملية عبارة عن زرع عبوات ناسفة وفى المكان الذى نزل فيه الجنود كانوا فوق حقل من الألغام أعد لهم سابقاً من قبل المقاومة وتم القضاء على الوحدة كلها مما أحدث ضجة وهزة عنيفة داخل المجتمع الصهيونى وأمام حالات الفشل المتكررة بدأت تبرز كل التراكمات والمستجدات التى تجعل بقاء اسرائيل فى الجنوب شىء مستحيل0 وبدأ العدو على حافة الهاوية الانكسار العسكرى والسياسى يجب ان يستثمر من جانب حزب الله 0

 

ومع دخول عام 1998 كان الحزب استطاع انجاز عدة خطوات هامة على الصعيد الداخلى اللبنانى فقد خاض انتخابات البلديات وحاز على تأييد شعبى وأصبح الحزب الأول شعبياً فى لبنان ، كما تم عقد مؤتمر الحزب الخامس والذى تم إلغاء البند الذى يحظر على الأمين العام ان يترشح لدورة ثالثة واستبدالها بإلغاء القيد الزمنى وأصبح سماحة السيد حسن نصر الله هو الأمين العام ، وأضحت المرحلة تعبر عن استقرار تنظيمى وسياسى حزبى وتأييد شعبى من جميع الطوائف اللبنانية انكسار عسكرى وسياسى للعدو والضغط عليه ينتج انسحاب وتحرير للجنوب 0

 

 

 

 

تحرير جزين

 

أدت العوامل السابقة الى تراجع الجيش الصهيونى وتحرير جزين ففى الأول من حزيران/يونيو 1999 قامت المقاومة بتدمير ثكنة جزين واصابة قائد الفوج العشرين فضلاً عن الهجمات العديدة على مواقع مسئولى الميليشيات وبدأت عملية فرار عناصر الميليشيات ورفضهم للخدمة، كان الوضع فى جزين يبلغ من الحساسيات ما يمكن ان يؤدى لموجة من الانفجار الطائفى نظراً لغلبة السكان المسيحيين تعامل حزب الله مع الوضع على محورين الأول أن يكون الانسحاب مذلاً وتحت القصف النارى ، والثانى فرض اجراءات أمنية تمنع أى استغلال طائفى مع فرض فصل تام بين الأهالى وعناصر الميليشيات، واعطاء تعليمات لأنصار الحزب وجماهيره بعدم الدخول الى جزين والامتناع عن أى مظاهر فرح حفاظاً على مشاعر الأهالى المسيحيين الذين كانوا أولادهم ضمن صفوف الميليشيات وبدأت المقاومة فى تفخيخ الطرق التى يحتمل أن يسلكها الجيش والعملاء وصوب صواريخه وطاردهم حتى معبر كفر حونه وتم ما أراد الحزب ضغطاً عسكرياً وهجومياً يساوى انسحاباً اسرائيلياً مذلاً0

 

باراك والجولة الأخيرة

 

بعد سقوط نتنياهو ونجاح باراك والذى جاء الى السلطة وأحد شعاراته الانتخابية الانسحاب من جنوب لبنان جزء من برنامجه الانتخابى0

 

 

فى مرحلة انتقال السلطة أراد نتنياهو أن يفعل ما كان يدور فى خلده الا أنه لم يستطع خوفاً من النتائج وعليه فقد أعطى أوامره لسلاح الجو لقصف البنية التحتية اللبنانية ويكرس قاعدة جديدة (البنى التحتية مقابل أمن المستوطنات) وجاء رد حزب الله طوال ثلاثة شهور من حزيران / يونيه تموز/يوليو وحتى أيلول / سبتمبر لينفذ ما جملته 1525 عملية وتم اقتحام مواقع فى بيت ياحون وسجد والطيبة وغيرها واستهدف قائد تشكيل لبنان (ايريز غيريشتاين) وقائد وحدة الارتباط (بيتى فانتز) ورغم ارتفاع اجراءات الأمن الا أن الحزب نفذ عملية استشهادية ضد قافلة عسكرية نفذها الشهيد عمار حمود الذى اقتحم قلب الاجراءات المشددة وسط الشريط المحتل فى القليحة وكانت هذه العملية للضغط على باراك لتنفيذ انسحابه الذى حدده فى السابع من تموز / يوليو 2000 وقد كثفت المقاومة من هجماتها على المواقع الاسرائيلية وحولها الى ساحة حرب استخدم فيها كل أنواع القتال وركزت المقاومة على القطاع الغربى أحد أهم المفاصل الرئيسية فى قوة الميليشيات وكان أحد الأسلحة هو استمالة بعض العناصر المتورطة فى جرائم واستخدام بعض العملاء كان (عقل هاشم) أحد رموز العملاء الذى تراهن عليه اسرائيل للعب دور فى قيادة الميليشيات خضع (هاشم) لمراقبة طويلة من جانب المقاومة وبعد أن نجا من الموت عدة مرات استطاعت مجموعة من المقاومة مراقبته ومحاصرته فى مخبئه فى (دبل) وكان قرار تصفيته يأتى ضمن استكمال الضغط على باراك للانسحاب، فى الوقت الذى كان باراك يحضر لاتفاق مع سوريا ولبنان حتى يكون الانسحاب مشرفاً له 0

 

وحاولت سوريا ولبنان الاستفادة من الانهيار السياسى لباراك لتنفيذ ما أرادتا الا أن حزب الله كان لديه قراءة اخرى وهو أن الانسحاب بات خطوة واجبة الاستحقاق سواء باتفاق أو بدون وبعد فشل محاولات الاتفاق مع سوريا ولبنان بدأ باراك يستنجد بالأمم المتحدة بمساعدة أمريكية وقدم باراك مشروعاً للانسحاب فيما يعد خرقاً دولياً ليـضع لبنان أمام المجتمع الدولى0


 

خطة التحرير

 

بعد قرار مجلس الأمن بنشر قوات طوارىء كانت خطة الحزب تقتضى عدم التصادم مع قوات الطوارىء ووضع خطة للقضاء على الميليشيات العميلة التى قد تمثل فى المستقبل اختراقاً صهيونياً فى أرض لبنان وتحت حراسة قوات الطوارىء وسياسة الأمر الواقع وقررت الشورى خطة تقتضى (أقل قدر من الدم وأكبر قدر من الرعب) وحُددت الخطة العسكرية للتحرير وتم تقسيم المناطق جغرافياً وحسب سيطرة أفواج الميليشيات وانتشارها كانت الخطة تقتضى الضربة الواحدة على طول الجبهة مع اعتماد أسلوب تقطيع الاتصال والسيطرة والتقدم والقضم التدريجى لمواقع الميليشيات 0

 

بدأ استهداف الفوجين العاشر والواحد والثمانين وبدأ اعتماد أسلوب الاقتحام المنظم والتدمير الكلى تراجعت الميليشيات بضع كيلو مترات وبدأ تحرير البلدة عن طريق حشد وتحضير الأهالى للزحف نحو البلدة 0

نقلت المعركة الى القطاع الغربى القريب من الساحل واقتحمت المقاومة موقع البياضة ولقيت الحامية مصرعها وفى عرمتى تراجعت الميليشيات وتراجع الجيش الاسرائيلى الى الناقورة على الساحل وامتدت المقاومة نحو العمق 0

 

وفى الأول من آيار اقترب موعد الانسحاب اتخذ باراك قرار بتسليم المواقع للميليشيات اللحدية حتى لا يتركوها فى يد حزب الله 0

 

أيام التحرير

 

اليوم الأول الأحد 21 آيار / مايو 2000

 أهالى بلدة القنطرة يتجمعون فى بلدة الغندورية ويحتفلون وبعد الاحتفال يعلن الأهالى عزمهم على السير الى البلدة ، الأوامر الصادرة من الحزب ان يتوجه الجميع للتقدم والتوجه نحو (الطيبة) وحينما لاح لعناصر الميليشيات زحف الأهالى كان قرارهم الفرار والاستسلام وسهرت الطيبة ليلة التحرير بينما حزب الله يدفع بمقاتليه للانتشار لوجود احتمالات بعودة الاسرائيليين وكذلك مراقبة واعتقال الميليشيات وجمع الوثائق والأسلحة بالإضافة الى مجموعة اخرى تتواجد وسط الناس حتى يشعرون بالأمن والطمأنينة 0

 

كان اليوم الأول هو خير تطبيق عملى لشعار التحرير والذى يقوم على خطة التدريج فى التقدم ودفع الأهالى بمسيراتهم لتحرير القرى الملاصقة لمناطق سبق تحريرها 0

 

اليوم الثانى 22 آيار / مايو

 مجلس الوزراء المصغر يفوض باراك فى تحديد موعد الانسحاب فقد كان الضغط متواصلاً من جميع الجهات فالقطاع الأوسط صار تحت السيطرة من جانب حزب الله ، وبنت جبيل على وشك السقوط وعناصر الميليشيات تلوذ بالفرار ، السكان اللبنانيون يتدفقون الى قراهم لتحريرها وفى الفجر كانت المآذن ومكبرات الصوت فى المساجد تعلن دخول حزب الله بنت جبيل ومع ساعات الصباح احتفالات بالنصر فى ساحات القرى وحزب الله يستكمل انتشاره العسكرى قرب القطاع الأوسط والغربى من الناقورة حتى الخيام ولم يبق سوى المعتقل وبوابة فاطمة عند بلدة كفر كلا0

 

اليوم الثالث الثلاثاء 23 آيار / مايو

 

 قوافل المدنيين تتقدم باتجاه القطاعين الغربى والأوسط كان الهدف تحرير المعتقلين فى (الخيام) ومنع جيش لحد العميل من المساومة على حريتهم أو تصفيتهم وبدأت مجموعة من المقاومين تتسلل الى الداخل الأهالى يطوقون المعتقل قاموا بتحطيم الأبواب لإخراج أبنائهم والعودة بهم ، الجيش الاسرائيلى ينسحب والقرى تتحرر الواحدة تلو الآخرى تحت زحف الأهالى 0

 

اليوم الرابع الأربعاء 24 آيار / مايو : المجموعات المتبقية من الجنود والميليشيات تولى الأديار الأهالى وحزب الله يوالون زحفهم لتحرير القرى المتبقية وهكذا استطاع حزب الله أن يجبر اسرائيل على الانسحاب وفق الجدول الذى وضعه هو وان ينفذ خطته وبنجاح.

 

 وما أن جاء يوم الخميس الخامس والعشرين من آيار / مايو 2000 حتى تدفق الأهالى الى الجنوب المحرر وسط غابة من الاعلام الصفراء العيون تملئها الدموع والقلوب ترقص فرحاً بالتحرير وليخلد الخامس والعشرين من آيار / مايو عيداً للتحرير والمقاومة 0

 

الدرس الأخير :

 

نجحت المقاومة ونجح حزب الله الذى حدد هدفه فى لبنان وهو إلحاق الهزيمة بالعدو الصهيونى (السيادة والتحرير) ونأى بنفسه عن الحسابات الداخلية والصراعات الفكرية واعتبر أن أى صراع داخلى هو تقوية للعدو ومخُرج عن الهدف ، ان فقه المقاومة الذى اعتمده حزب الله يعنى فقط إزالة اسرائيل من الوجود ، وهو مشروع تتداخل فيه العوامل الوطنية والدينية ، ويتطلب حرية سياسية حتى تظهر ابداعات الناس وقدرتهم على حماية أوطانهم 0وفى الوقت الذى ساد الموقف العربى الحيرة والعجز والوهن وعلى المستوى الرسمى الخاضع للمنطق الصهيونى الأمريكى ذلك المنطق الاجرامى الذى أحدث تغييراً جذرياً يصل الى درجة الانقلاب فى مفاهيم الصراع حيث تحول الصراع من صراع وجودى بين غاصب للأرض وصاحب الحق الى صراع أمنى وحدودى بين (دول جوار) !!

 

استعاضت المقاومة عن غياب التكنولوجيا بالجانب البشرى ولتعويض النقص التقنى اعتمدت على الانتماء الدينى والشحن المعنوى وظهر التناقض المركزى بين جنديين، جندى يذهب الى الجنوب وهو كاره ويتمنى ان يعود سالماً وجندى يذهب الى الجنوب ليحرره من الغاصب ولو دفع حياته ثمناً لأرضه وكرامته 00 فمن يطلب الموت توهب له الحياة  والنتيجة أرض محررة وحزب قائد 00 مبشر لنصر أمته على العدو 00 الجندى الصهيونى خائف ومذعور 00 والجيش الصهيونى منسحب ومدحور لينتج هذا المشهد الملحمى المنتصر وبعد أربعة أشهر انتفاضة الأقصى المباركة فى 28 سبتمبر 2000 والتى يجب ان تستمر ويستمر معها مساندة الأمة حتى إزالة اسرائيل من الوجود 0

 

الدرس الأخير الذى قدمه حزب الله ليس درساً محلياً بل خياراً وحيداً اسمه المقاومة 0

( ولله الحمد فى الأولى والآخرة )


 

الفصل الرابع

حزب الله بعد الانسحاب

جدلية المقاومة والإصلاح

 

مما لا شك فيه أن انتصار حزب الله الذي تحقق في ال25مايو آيار200كان حدثا غير عاديا وطرحت بعده العديد من الأسئلة:هل انتهى دور حزب الله وعليه أن يلقى السلاح أم لا؟

 

وقد أجاب الحزب على هذه الأسئلة الكثيرة عبر رفضه التخلي عن عمليات المقاومة المسلحة إلا إذا تحرر كل التراب الوطني اللبناني ويقصد بذلك مزارع شبعا التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، وإطلاق سراح الأسرى العرب من السجون الإسرائيلية وعلى رأسهم عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار.

 

ويملك الحزب من العمل السياسي والاجتماعي ما يفوق العمل العسكري ويستطيع الاكتفاء بالعمل السياسي إذا قرر ذلك، ويبدو أنه مستمر في العمل العسكري حتى يحقق الأهداف التي حددها لنفسه منذ إنشائه وهي تحرير كامل التراب اللبنانـي وتحرير الأسرى والمعتقلين المؤسسات الخدمية.

 

كانت للخدمات التي نشط الحزب في تقديمها للجماهير وبخاصة في الجنوب اللبناني أكبر الأثر في زيادة شعبيته ، فقد نشط الحزب في إقامة المدارس والجمعيات الخيرية التي تعنى بأسر الجرحى والشهداء، ومن هذه المؤسسات على سبيل المثال :


- مؤسسة "جهاد البناء" التي تأسست عام
1988 وتضم العديد من المهندسين والفنيين والعمال وتتخصص في حفر الآبار وإعداد الدورات التدريبية في مجال الزراعة والبيطرة.


- الهيئة الصحية الإسلامية ولها فروع عدة بلغت
47 فرعاً تنتشر في البقاع والجنوب بالإضافة إلى بيروت.


- جمعية القرض الحسن التي تأسست عام
1982 بهدف تقديم القروض غير الربوية للمحتاجين.


- جمعية الإمداد
الخيرية الإسلامية التي تأسست عام 1987 وتعمل على مساعدة الأسر على الاكتفاء ذاتياً، ورعاية الأيتام والعجزة والأرامل.


- مؤسسة الشهيد ومهمتها الاهتمام التربوي والتعليمي بأسر الشهداء.


- المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم والتي يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1993 وتهتم ببناء المدارس في مختلف المناطق اللبنانية وتحرص على أن تكون أولوية الالتحاق في تلك المدارس لأولاد الشهداء.


- هيئة دعم المقاومة الإسلامية التي تجمع التبرعات للمقاومة وتعقد الندوات وتقيم المعارض لزيادة الوعي بأهمية المقاومة.

 

وللحزب مؤسسات رياضية وثقافية وإعلامية مهمة مثل مركز الإمام الخميني، وجريدة العهد، وتلفزيون المنار الذي نجح في جذب قطاع عريض من المشاهدين، وقد عرض بالصورة الحية علميات حزب الله العسكرية ضد إسرائيل.

 

الفكر والبرامج يميز حزب الله في تحركاته السياسية على الساحة اللبنانية بين الفكر والبرنامج السياسي، فيرى أن الفكرة السياسية لا تسقط إذا كان الواقع السياسي غير موات لتطبيقها، كما هو الحال بالنسبة لفكرة إقامة دولة إسلامية في لبنان.

 

 يقول حسن نصر الله : "نحن لا نطرح فكرة الدولة الإسلامية في لبنان على طريقة الطالبان في أفغانستان، ففكرة الدولة الإسلامية في لبنان حاضرة على مستوى الفكر السياسي، أما على مستوى البرنامج السياسي فإن خصوصيات الواقع اللبناني لا يساعد على تحقيق هذه الفكرة، فالدولة الإسلامية المنشودة ينبغي أن تكون نابعة من إرادة شعبية عارمة، ونحن لا نستطل عمليات العسكرية تميز حزب الله عن غيره من الأحزاب السياسية في الساحة اللبنانية بعملياته المسلحة التي جعلته يخرج بمنطلقاته السياسية والعقائدية التنظيرية إلى حيز التطبيق العملي، وأكسبته شرعية وشعبية لدى الشارع اللبناني. ويعتبر الحزب أن تلك العمليات بالإضافة إلى كونها عامل قلق أمني للإسرائيليين.

 

كبَّدت العمليات العسكرية الناجحة لحزب الله الجيش الإسرائيلي خسائر سنوية بلغت ما بين 22و23 قتيلاً، وعددا كبيرا من الجرحى والأسرى. وتشير مصادر حزب الله إلى أن متوسط العمليات العسكرية التي شنها في الفترة من 1989 وحتى 1991 بلغت 292 عملية، وفي الفترة بين عامي 1992 و1994و بلغت 465 عملية، أما في الفترة بين 1995و1997فقد بلغت تلك العمليات 936، وكان نصيب المقاومة الإسلامية - الجناح العسكري لحزب الله 736 - عملية.

 

أما المصادر الإسرائيلية فتشير إلى أن إسرائيل فقدت في عام 1988 وحده 36 جنديًا وجرح لها 64 آخرون، وخطف منها جنديان. وفي الإجمال كانت حصيلة القتلى الإسرائيليين على مدى 18 عاماً حوالي 1200 قتيل.

 

وقد بدأت إسرائيل خطواتها الأولى باتجاه الانسحاب نتيجة لهذه العمليات الفدائية في وقت مبكر، فكان الانسحاب الأول الكبير في عام 1985، ثم تلاه انسحابات أخرى لاحقة كان أبرزها كذلك الانسحاب من منطقة "جزين" اللبنانية.

 

 وخلقت داخل المجتمع الإسرائيلي تياراً شعبياً قوياً يطالب بالانسحاب من "المستنقع اللبنانـي"، وكان من أشهر الحركات المطالبة بالانسحاب "الأمهات الأربع".

 

استخدم حزب الله في عملياته العسكرية ضد إسرائيل أسلوب حرب العصابات والعمليات الاستشهادية، والتي في الأغلب تستعمل الكمائن والعبوات الناسفة والمدافع بالإضافة إلى صواريخ الكاتيوشا التي اشتهر الحزب باستعمالها ضد المستوطنات الإسرائيلية.

 

وتميزت أعمال المقاومة العسكرية لحزب الله بالدقة في تحديد الأهداف والمفاجأة وتأمين خطوط الانسحاب ، وساعدهم في كل ذلك جهاز استخباراتي مدرب.وكانت أشهر عمليات الحزب وأنجحها هي معركة "أنصارية"عام 1997 عندما استدرجت طائرة هيلوكبتر على متنها ستة عشر مقاتلا من القوات الإسرائيلية الخاصة وأبادتهم جميعا وهذه الدقة والجاهزية كانت طريق حزب الله لتحقيق النصر.

 

رياح الحادي عشر من سبتمبر وأثره على الحزب

 

كان من أهم نتائج الحادي عشر من سبتمبر أيلول 2001والتى استغلها الصهاينة للتخلص من حزب الله أن دفعت به إلى طاولة المناقشات الأمريكية وان كان البت النهائي بها مرجأ بعض الشيء، ويتوقف على نتائج “المعركة الداخلية” الأمريكية كما أنه يعتمد على ما ستفضي إليه العلاقات الأمريكية المستقبلية مع كل من سوريا وإيران.

 

وورقة حزب الله ستبقى على مائدة النقاش كوسيلة للضغط على أكثر من طرف، ربما لن يتم استخدامها قط، وربما تتم تجزئتها (إرهاب ومقاومة). وهي ورقة مفيدة ليس فقط للضغط على كل من سوريا وإيران ولكن أيضا في ما يتعلق بعملية التسوية.

 

وبين الداعين إلى محاسبة الحزب على "جميع أعماله" وبين الداعين إلى تجاوز الماضي والتركيز على الحاضر والحصول على ضمانات تتعلق بالمستقبل، مروحة واسعة من الآراء، وتمايزات في أراء وحسابات حتى الأطراف المحسوبة على جهة واحدة أو مدرسة فكر واحدة. والأمر ذاته ينطبق على الدعوات إلى التشدد إزاء كل من إيران وسوريا وتلك التي تقابلها والتي تدعو إلى التعاون مع الدولتين المصنفتين راعيتين للإرهاب على أساس أن في التعاون ما يخدم مصالح مشتركة مع الولايات المتحدة.

 

في ما يلي عرض لآراء بعض الشخصيات المنتمية للتيارين (المتشدد والأكثر انفتاحا)، وهي لا تمثل "كل ألوان الطيف" إلا أنها تقدم على الأقل بعض الأفكار المتداولة والمتصارعة حاليا في العاصمة الأمريكية، والمتعلقة بالمواقف المتخذة إزاء كل من حزب الله وسوريا وإيران. 

 

 

لماذا أضيف حزب الله إلى القائمة ؟

 

يقول باحث في الشؤون الدولية مقرب من أوساط صناعة القرار أن وزارة الخارجية لم تكن في البداية (مباشرة بعد 11 أيلول ) راغبة فعلا بوضع قائمة تحدد فيها أسماء المنظمات التي تعدها إرهابية، بل كانت تفضل توجيه ما يشبه التنبيه العام، من دون ذكر أي منظمات على وجه التحديد، في خطوة تسمح لها بهامش اكبر للمناورة وتمكنها من درس مدى استعداد كل الأطراف للتعاون، لا سيما وان المنظمات الإسلامية يمكن أن تكون مفيدة في جمع معلومات استخباراتية، على أن يتم اللجوء إلى التصعيد وتحديد الأسماء والأهداف المحتملة في مرحلة لاحقة، تعتمد على استعدادات التعاون وعلى تطور الأحداث.

 

ويوضح الباحث أن إصدار القائمة آمر أجبرت عليه الوزارة بعد الضغط الذي تعرضت له من قبل الصحافة ومن قبل الجماعات الموالية لإسرائيل، مستبعدا أن تكون الإجراءات المنوي اتخاذها في حق هذه المنظمات قد تقررت ومعربا عن اعتقاده أن جميع الخيارات تبقى واردة وستتحدد بحسب تغير الظروف.

 

ويكمل الشرح مصدر في وزارة الخارجية قائلا انه تم في البداية استهداف أرصدة حزب الله المالية فقط، “لكن الجماعات الموالية لإسرائيل مارست ضغوطا كبيرة لاتخاذ خطوات إضافية وكنا نحن ( في الخارجية ) لا نحبذ ذلك لأنه كان من الممكن أن يصرف الانتباه عن تنظيم القاعدة، فأصدرتا لائحة المجموعات الإرهابية التي تضمنت مجموعات ذات خلفيات وجنسيات متعددة حتى لا يقال أن المجموعات المعادية لإسرائيل هي وحدها المستهدفة”.

 

ويشير المصدر إلى انه ليس في نية احد حاليا اتخاذ أي إجراءات إضافية “لأن الجميع يعرف أن استهداف حزب الله في الوقت الراهن سيزيد الأمور تعقيدا وسيؤدي إلى فوضى في ترتيب الأوراق والأولويات”.

 

وتخفف بعض المصادر من الأهمية التي توليها بيروت لقضية حزب الله على أساس أنها حملة تستهدف النيل من لبنان ومعه سوريا، مشددة على أن الأمر يحتمل الكثير من المساومة والأخذ والعطاء وكله يعتمد على قدرة الجهات المعنية على استغلال الفرصة للحصول على ما تصر عليه في مقابل تقديم تنازلات للولايات المتحدة تكون غير مكلفة في الجوهر لكنها تضمن إسكات الذين يشنون حملة على حزب الله.

 

وتتمحور الشكاوى من حزب الله حول عدد من النقاط. ويشرح المستشار الخاص في وزارة الخارجية الأمريكية كريستوفر روس أن الموقف من الحزب تطور مع مرور الزمن، ففي مطلع الثمانينات ارتبط اسم الحزب “بأعمال إرهابية مثل تفجير السفارة ومقر المارينز في بيروت” ثم ارتبط في فترة لاحقة بعمليات خطف الأمريكيين والأجانب، “كما يبدو أن هناك أدلة تربط بين الحزب وبين تفجيرات بوينس أيرس”، إلا أن روس يشير إلى عناصر أخرى تحدد الموقف من الحزب منها كونه حزبا سياسيا مشروعا يشارك في النظام السياسي اللبناني وممثلا في البرلمان كما انه قاوم الاحتلال الإسرائيلي للبنان”.

 

وتتفق المصادر على أن تفاهم نيسان، عندما طلب تجنيب المدنيين، اقر بشكل غير مباشر بشرعية مهاجمة جنود الاحتلال، إلا أن ما حدث في 11 أيلول جعل من الصعب اللعب على الكلمات واستخدام الإشارات المبطنة، ومكن البعض من الضغط لإزالة الفروقات بين “العنف المشروع” و”العنف غير المشروع”. وما يزيد الأمر تعقيدا هو إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الحرب الشاملة على الإرهاب من دون أي تحديد لمعنى الإرهاب أو للأهداف المقبلة المحتملة.

 

ويضيف مصدر مقرب من وزارة الدفاع ومن الجماعات الموالية لإسرائيل في واشنطن طلب عدم ذكر اسمه إلى ما عدده روس عن وجود معسكرات تدريب تابعة لحزب الله في البقاع وإلى شهادات أدلى بها مفجرو السفارتين الأمريكيتين في نيروبي وفي دار السلام، “وهي شهادات موثقة في محاضر المحاكمات، اعترفوا فيها” بحسب المصدر“ بلقاء أعضاء في حزب الله وبقيام عماد مغنية بتدريبهم” لفترة من الزمن.

 

وعلى عكس المصادر التي تسعى إلى التخفيف من وطأة الحملة ضد حزب الله، يعتبر المصدر المقرب من وزارة الدفاع انه يتعين على لبنان التأكيد على انه دولة مستقلة قادرة على حماية حدودها مشيرا إلى أن بلاده أوضحت لسوريا انه لن يتم التسامح مع الدول الراعية للإرهاب وان لبنان يؤوي إرهابيين مما يمكن أن يعرضه لمشكلات كثيرة، ربما لن تشمل أي ضربة عسكرية ولكنها ستكون كافية لعرقلة كل الجهود الهادفة إلى إعادة إعمار البلاد وتعزيز اقتصادها، كما أنها ستعيق مساعيه السياسية.

 

ويذهب المصدر إلى حد التلويح بأن دوائر صناعة القرار في واشنطن ستناقش ذات يوم إذا كان يتعين وضع اسم لبنان على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

 

وفي ما يتعلق بمزارع شبعا، يرى المصدر انه حتى الأمم المتحدة اعترفت بتطبيق القرار 524 كاملا “لذا يتعين على لبنان نشر الجيش على امتداد الحدود .. ليس لحماية امن الإسرائيليين ولكن لحماية الحدود ممن يريدون عبورها للإساءة لإسرائيل”... 

 

وفي حين يستبعد المصدر أن يكون حزب الله الهدف المقبل في الحرب ضد الإرهاب إلا أنه يؤكد،أن هناك ما يكفي من الأسباب لملاحقته, فضلوعه في عدد من الأعمال الإرهابية في الخارج أمر مثبت وموثق وهي قضية يجب معالجتها”.

 

ويؤيد أستاذ الشؤون الدولية في جامعة ماريلاند شبلي تلحمي ذلك بقوله بأنه لم يتحدد أي قرار بعد في ما يتعلق بحزب الله وبأن الخيارات كلها واردة وستحدد الظروف أرجحيتها، معتبرا انه بإمكان حزب الله المحاججة بأنه كان في مقاومته لا يستهدف المدنيين عمدا على عكس إسرائيل، كما انه قادر على التعهد بأنه لن يستهدف مدنيين في المستقبل.

 

ويشير تلحمي إلى نقطة ثانية هي استحالة اللجوء للقوة للقضاء على الحزب متسائلا “كيف يمكن ذلك فإسرائيل اجتاحت لبنان مرتين ولم تتمكن من الانتصار وسحق مقاوميها. ماذا تستطيع أن تفعل بعد؟”

 

أما باتريك كلاوسن، مدير الأبحاث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى الموالي لإسرائيل والمؤثر في دوائر صناعة القرار الأمريكية، فيقول وهو يختار كلماته بعناية انه “سيكون لطيفا لو أعلن حزب الله أن ما مضى قد كان وانه ارتكب أخطاء في الماضي" مشيرا إلى أن الرئيس بوش في خطاب إلى الكونغرس" المح إلى أنه ربما أمكن نسيان الماضي، لذلك إذا اعترف الحزب بأخطائه وقال انه من الآن فصاعدا سيركز على الشؤون السياسية اللبنانية الداخلية وقضية مزارع شبعا فقط فانه بذلك سيضطر الإدارة الأمريكية إلى إعادة النظر في موقفها”.

 

ويسارع كلاوسن إلى التأكيد على أن ذلك لن يكون كافيا بالطبع “إلا انه سيحرج بعض الأطراف وسيضطر البعض إلى إعادة النظر في مواقفه مما سيؤدي حتما إلى إطلاق نقاش مثير للاهتمام. هم طبعا سيصرون على الحصول على عماد مغنية مثلا ولكن هناك أشياء أخرى كثيرة, وإذا رفض حزب الله الخوض حتى في قضية مثل قضية مغنية فان الولايات المتحدة ستستمر في الضغط لتجميد حسابات حزب الله وسيأتي وقت يصبح فيه ذلك أمرا ملحا وجديا”.

 

 ويعتبر كلاوسن أن ورقة حزب الله ستلعب ضد سوريا وإيران، وحتى إذا انتهت مشكلة حزب الله نهائيا ستبقى هناك قضية حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين لتحريكها ضد إيران كما أن هناك اعترافات لدى الإسرائيليين من قبل موقوفين من حركة حماس تؤكد أنهم تلقوا تدريبات في معسكرات تابعة لحزب الله.

 

ويقول كلاوسن أنه ليس من المرجح أن تشن أي عمليات عسكرية ضد لبنان أو سوريا إلا إذا استمرت عمليات حزب الله مما سيدفع إسرائيل لتوجيه ضربة عسكرية للحزب وللسوريين في لبنان وفي سوريا.

 

بدوره، يستبعد عضو جماعة "إيباك" سابقا والعضو الحالي في إحدى جماعات الضغط الأمريكية" رالف نورنبرغر"، شن أي هجوم عسكري من قبل الولايات المتحدة أو من قبل إسرائيل ضد حزب الله، معتبرا أن إسرائيل مكتفية بوقف عمليات الحزب العسكرية وهي لن تعود إلى اجتياح جنوب لبنان.

 

ويقول نورنبرغر أن الحكومة اللبنانية غير قادرة أو ربما غير راغبة باتخاذ أي اجراءات للسيطرة على حزب الله في الجنوب، ولذلك ستستمر المناوشات لبعض الوقت والكل ينتظر ليرى ما سيحدث على الساحة الفلسطينية حيث الوضع معرض لانهيار تام.

 

سينتظر السوريون وحزب الله وسيراقبون ما يحصل بين إسرائيل وبين الفلسطينيين بانتباه شديد ثم سيقررون لاحقا خطوتهم المقبلة فهم ليسوا مضطرين لاتخاذ أي قرارات في الوقت الراهن.

 

بدوره يؤكد مسئول في وزارة الخارجية انه إذا لم تكن هناك نشاطات لحزب الله إلا على المستوى المعتاد فان الاهتمام المنصب على الحزب سيتحول إلى مكان آخر.

 

ويقول المصدر أن في الإدارة "صقورا" يرغبون في شن حملة شاملة تستهدف كلا من سوريا وإيران والعراق ولكن في الواقع الأمور ليست بهذه السهولة فهناك مثلا مصالح أمريكية – إيرانية مشتركة تتعلق بأفغانستان مما يجعل هامش التحرك ضد طهران على أرض الواقع أمرا صعبا في الوقت الراهن.

 

تداعيات سقوط بغداد

 

لم يكن تداعيات سقوط بغداد وحضور الإدارة الأمريكية والجيش الأمريكي في المنطقة حدث عاديا وخاصة على حزب  مقاوم دحر الصهيونية الأمريكية وحرر الأرض واستعاد الكرامة المفقودة.

 

إن تداعيات حدث كبير بحجم الحدث العراقي ونتائجه الممتدة في الزمان والمكان لدرجة أن أحدا في المنطقة لن يبقى بمنأى عن تأثيراته وفي المقام الأول الحزب نفسه والامتدادات التي يتكئ عليها، بل كان ناجما عن قراءة عميقة لمعادلات سياسية دقيقة، ولمعطيات مستجدة وقديمة.

 

ما من عامل رئيسي أو ثانوي استحضره الحزب بما فيها العامل الغيبي والديني، الذي شاع كثيرا في الشارع العربي والإسلامي، فيما كانت القبضة الأمريكية تطبق على بغداد بأهون السبل مبددة كل القراءات العسكرية والاستراتيجية التي تحدثت بثقة زائدة عن إمكان صمودها لأسابيع بل لأشهر، وهي أحاديث كان في طياتها من الآمال والعواطف أكثر مما فيها من الحقائق الموضوعية. [5]

 

وفي عملية القراءة هذه، التي يصر البعض على تسميتها ورشة عمل استثنائية، وضعت قيادة الحزب على طاولة الدرس كل الاحتمالات والتوقعات، الأحسن منها والأسوأ، عناصر التشاؤم فيها ونقيضها. واللوحة الموضوعة أمام الأعين الفاحصة تتعدى حدود لبنان، لتمتد إلى فلسطين فسوريا فالعراق وصولا إلى إيران بطبيعة الحال.

 

ووسط كل تلك القراءات كانت تبرز طبعا، مسألة ما هو مقبل بسرعة وما هو في حكم المرجأ والمؤجل.

 

في أول الاستنتاجات، كان لدى الدارسين من الجرأة الأدبية ما يجعلهم يقرون ضمنا بتهافت الرهان المسبق على إمكانية صمود نظام صدام حسين على الأقل على النحو الذي يجعل الولايات المتحدة لا تربح حربها على العراق بالخسائر التي تكاد لا تذكر والتي منيت بها والتي ستكون حتما من المعالم السوداء في التاريخ الذي سيكتب عن المنطقة ورياح التطورات الدراماتيكية التي عصفت بها خلال أيام قليلة نسبيا.

 

طبعا تشعب السجال والحديث، وامتد إلى الأسباب والدواعي السياسية والعسكرية التي أفضت إلى هذا السقوط المريع والمدوي لبغداد والذي حال دون تحقيق ألاماني التي تملكت لبعض الوقت كل الشارع العربي والعديد من الأنظمة، أن تخرج واشنطن بخسائر عسكرية وسياسية تجعلها تحسب ألف حساب قبل أن تمعن في غطرستها، وتكرار التجربة، انطلاقا على الأقل من معادلة أن العراق ليس أفغانستان.

 

ولكن ما لبث القارئون أن أجمعوا على رأي يقول بضرورة إبعاد هذا الموضوع من دائرة النقاش والجدل، لتكون الغاية القصوى والعاجلة، هي البحث في عمق التداعيات والنتائج المتأتية من الحدث، وخصوصا أن هذه التداعيات والنتائج كانت قد بدأت تطل سريعا برأسها الحالك تهديدات متتالية وقاسية لسوريا وإيران، وتوعدت الحزب بتصفية "دفتر الحسابات" الضخم معه.

 

وثمة استنتاج أول وسريع فرض نفسه على دائرة النقاش وبقي حبله موصولا حتى الساعة، وامتدادا إلى أجل غير مسمى، جوهره أن ثمة عاملا جديدا ظهر بقوة في المنطقة لا يمكن إدارة الظهر له، أو حذفه من أي حساب. وهو الوجود الأمريكي في العراق، وما يعنيه ذلك من صيرورة الآلة العسكرية الأمريكية، في قلب المنطقة العربية، وما يحمله أصحاب هذه الآلة من استهدافات ومخططات أفصحوا سابقا عن بعضها وابقوا بعضها الآخر طي الكتمان، أو رهن التطورات.

 

وكانت الخلاصة أن ثمة مرحلة مستجدة تتطلب أداء مستجدا يقطع بعض الشيء مع الأداء الماضي، وعليه بنيت كل الحسابات، وأدرجت جميع الاحتمالات، فصار هذا الوجود مبتدأ كل الأمور التي ستظهر لاحقا، علماً بأن الحزب كان يدرك منذ البداية وبصرف النظر عن مآل الحرب على العراق، انه سيكون بعدها في الصدارة والمواجهة. للحظة واحدة، وفق ما يقول بعض المشاركين في جولات النقاش هذه، لم يخطر أبداً في البال إمكان أن تسحب دمشق، التي صارت وجها لوجه مع الأمريكيين، عباءة رعايتها للحزب، أو تفصم عرى التحالف القائم بينها وبينه منذ أكثر من عقدين.

 

 ومن البديهي أن لهذا الاطمئنان الخالي من أي ذرة من الريبة لدى الحزب، حساباته العميقة والدقيقة المبنية على تجارب وامتحانات عدة، وقراءة سياسية يأتي في صدارتها أن ما من عاقل يلقي بأوراقه ويجرد نفسه من أسلحته عند أول منعطف صعب وخطير، وخصوصا عندما يكون البديل المعروض يكاد يعادل الصفر، أو أطياف وعود ضبابية و سرابية.

 

إذاً، برز إلى الواجهة أمر أساسي أو مهمة عاجلة فرضت شعار العمل على استيعاب المرحلة قبل كل شيء، والبحث عن السبل الآيلة الى هذه الغاية، وعندها عملت المعابر وقنوات التواصل المعتادة بين الحزب ودمشق بطاقتها القصوى من دون أن يتخلل ذلك زيارة رسمية للأمين العام للحزب السيد " حسن نصر الله " للعاصمة السورية كما أشيع في بعض وسائل الإعلام.

 

صورة أولية وخلال وقت قصير كان أمام دوائر القرار في الحزب صورة أولية لمآل الأمور تتكون من عناصر عدة أبرزها: 

- أن التهديدات الأمريكية بتوجيه ضربة عسكرية لسوريا، وبناء على حسابات دقيقة ستبقى في إطار التهديدات والضغوط التي لها ملاحقها بطبيعة الحال، ولها أيضا غايتها العاجلة والآجلة. 

 

-   أن المطلوب سريعا عدم التسبب بأي إزعاج للأمريكيين في العراق. والحول دون أي تسخين لجبهة الجنوب اللبناني.

- في عناصر هذه الصورة أيضا أن إسرائيل ستبقى يدها مغلولة، وفقا للحسابات السابقة التي أملت هذا الأمر قبيل الحرب على العراق وخلالها.

 
- وفي آخر هذه الصورة أن المطلوب عدم عرقل تنفيذ خطة "خريطة الطريق" في فلسطين، والتي كانت عدة ترويجها على الأقل قد بدأت قبل الحرب وفي أثنائها عبر تسمية "أبو مازن" رئيسا للوزراء في السلطة الفلسطينية وأحداث هذا المنصب بغاية إقصاء ياسر عرفات عن اللعبة.

      

ولكن رغم كل هذه العوامل التي تحمل في طياتها بعض الاطمئنان وتسكيناً لكثير من الهواجس، كان التفتيش والبحث جاريين بدأب عن مدى العجلة الأمريكية في الضغط على لبنان و"حزب الله" لتلبية جملة مطالب سريعة، تتصل بأسماء الذين أدرجتهم واشنطن سابقا على لوائح المطلوبين بتهمة "الإرهاب" والذين تدعي أنهم يلوذون بالحزب، أو ينتسبون إليه.

 

ومرت أيام بعد زيارة " باول " لبيروت ودمشق حتى أعلن الحزب صراحة انه لن يسلم سلاحه ولن يسرح مقاومته في الجنوب. فهو لم يطلق هذا الكلام، إلا بعدما أدرك حد اليقين أمورا أساسية، أولها أن الأمريكيين وان أبلغوا إلى دمشق وبيروت المطالب التسعة التي صارت خطوطها العامة معروفة، فانه لا يزال في الإمكان العمل لاستيعاب الهجمات الأمريكية أو التلاعب بين خطوطها العريضة.




معطيات وحسابات

 

ويذهب الحزب بعيدا في درسه لأوجه الاتفاق والاختلاف بين هذه المرحلة التي يقر بصعوبتها، ومراحل شبيهة مر بها من حيث حدة الهجمة الأمريكية، وإطلاق اليد الإسرائيلية على غاربها، وتحديدا أعوام 1982 و1993 و1996 فيعترف بأن الظروف والمعطيات مختلفة بين الآن والسابق، ومجالات المقارنة محدودة. ولكن ثمة إمكانات وفرص للمعاندة والصمود، لكي لا يلقي العصر الأمريكي والإسرائيلي بظله الكامل على المنطقة. وهذه الفرص تنطلق من جملة معطيات وحسابات راهنة ومستقبلية أبرزها:


- إن حسابات الكومبيوتر الأمريكي في العراق لم تتحقق حتى الآن، وفي هذا المجال لدى الحزب قراءة طويلة عريضة تجانب المغالاة والإفراط في الرهان على مقاومة عراقية قد تفرض نفسها خلال وقت معين، وتقلب الحسابات رأسا على عقب، ولكنه ينطلق من مقولة أن الأخطاء الأمريكية نفسها وسياسة واشنطن الملتبسة والغارقة في غموضها حيال مستقبل الشعب العراقي، وبإزاء النظام الذي ستساهم واشنطن في إقامة أعمدته ليحكم هذا البلد، ستكون أحد العوامل المفضية إلى مقاومة عراقية مختلفة الأشكال، ستكون حائلا دون استقرار تام في هذا البلد، المعتاد على الحركة والرفض، والساعي إلى أهداف وطنية وقومية، واستطرادا ستكون حائلاً دون أن تكون واشنطن سيدة الموقف واللاعبة الوحيدة على هذه الساحة الحبلى بالمفاجآت، والتي "تزخر بالرعود والبروق" وفق قول الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب.

 

وطبعا، فإن الحزب يدرك أن من جملة المطالب الأمريكية الأساسية منه هو النأي بنفسه نأياً تاماً عن الموضوع العراقي، ويرفض الدخول عميقا في تفاصيل دوره في هذا المجال، ويؤثر أن يرد الأمر إلى الشعب العراقي الذي لن يحل احد محله.

 

- إن تطبيق "خريطة الطريق" في فلسطين المحتلة، دونها عقبات وعراقيل لا تحصى ولا تعد، في مقدمها التعنت الإسرائيلي الذي لن يرضى بسهولة بفكرة إنشاء دولة فلسطينية مهما كان شكلها وحدود سيادتها. وان الشعب الفلسطيني الذي هو في حراك دائم منذ ستين عاما لن ينصاع الآن لما يرسم.


- مهما بلغت درجة الهجمة الأمريكية على المنطقة فإن ما من احد يمكنه أن يغفل العامل الإيراني ودوره الذي لا
يمكن الاستغناء عنه أو تجاهله في العمق العراقي. ولئن كان إلى الآن في طور "المناورة" السياسية وانتظار النتائج، فإنه سيكون مستقبلا لاعبا أساسيا في العراق، وكان كلام مرشد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي واضحا في هذا المجال.

       

هل يراهن "حزب الله" على عوامل أخرى كمثل دور الشارع العربي، وقوى هذا الشارع التي ما زالت على ممانعتها ومبادئها؟

 

لا يخفي بعض من في الحزب أن أحلاما كبرى راودتهم في وقت من الأوقات وتحديدا عام 2000 وبعده، بإمكان أن يكون الحزب رافعة لحركة نهوض عربية وإسلامية كبرى. وقد وجدوا فرصة كبرى لذلك، عبر قطاعات شعبية لا يستهان بها، مدت جسور علاقة معهم، ودخلت في نقاش عميق. ولكنهم كانوا يحاذرون أمرين أساسيين هما: عدم الدخول في صراع حاد مع الأنظمة العربية، وعدم الحلول محل احد في الشارع السياسي العربي، لأنهم يعون الحواجز والجدران والسدود المفروضة، وخصوصا أنهم دخلوا في اختبارات بسيطة ولاسيما مع الأردن أظهرت لهم العقبات الكبيرة، والأثمان الكبرى، والحساسيات الأكبر المعروفة. 
ولا ينكر هؤلاء أنهم كانوا يتمنون من صميم قلوبهم وجود حركة عربية أو إسلامية تساندهم ويساندونها. والحزب في هذا الإطار يدرك مدى الآمال العربية التي تعلق على دوره وخصوصا في هذه المرحلة.

 

ومع كل هذه الخيبة التي تساور الحزب، فثمة يقين يتملكه أن التطورات التي عاشتها المنطقة منذ 1982 أثبتت بالملموس استحالة الفصل بين قضايا المنطقة وتحديدا الموضوع الفلسطيني. ومن هذا المنطلق فإن الحزب مقيم على اقتناع مفاده أن كل المحاولات الرامية إلى إقصائه عن الموضوع الفلسطيني وفك ارتباطه الوثيق به لن يكون لها النصيب المطلوب من الخارج، رغم كل الضغوط الأمريكية في هذا النطاق.

 

سياسة عقلانية

 

والذي يحذر الحزب صراحة منه في هذا المجال أن تشتد، في ظل أجواء الإحباط العربية، الضغوط عليه، بحيث يصير وجوده وسلاحه معضلة في نظر الكثيرين، فيصير في دائرة الضوء وحيدا، وتنصرف الأنظار عن كل المعطيات والعوامل الأخرى، وفي مقدمها الاحتلال الإسرائيلي المزمن لفلسطين والاحتلال الأمريكي المستجد للعراق. ولهذا كله، يحاذر الدخول في سجالات حادة وإطلاق آراء ورؤى نارية، ويسوّغ في الوقت عينه لنفسه عدم اللجوء إلى الخطابات السياسية المعهودة، ويلوذ إلى سياسة عقلانية تلفت إلى الثوابت التي لن يتخلى عنها وفي مقدمها سلاحه، لأنه يدرك انه التنازل الأول، ولكن ما من احد يعرف التنازل الأخير.

 

وفي طيات حديث الحزب، أن المطلوب مزيد من الوقت، قد لا يتعدى شهرين، لكي تستجد عوامل ومعطيات آتية بلا ريب لتعيد إلى الوضع العربي الشعبي بعض التوازن المفقود، وعليه، لا بأس من بعض العقلانية.

وإذا كان الحزب على ثقة بما يقوله الكثيرون أن قوته وقواعده وحضوره الداخلي، قد تغنيه عن امتشاق السلاح، فالقضية بالنسبة إليه ليست بندقية وسلاحا بقدر ما هي نهج يستحيل التخلي عنه قبل الحل الشامل والعادل في المنطقة. [6]

تحرير الأسرى وعيد الحرية

 

لم تكن المطالبة الأخيرة بعد عملية "الوعد الصادق" في 12/7/2006 بتبادل الأسرى مع حزب الله والفلسطينيين من جهة والكيان الصهيوني هي الصفقة الأولى ، ولم يكن اسر حزب الله للجنديين الإسرائيليين آتيا من فراغ وإنما من استراتيجية ثابتة هي استراتيجية توازن الأسرى ، وهي اللغة التي لا يفهم الكيان الصهيوني لغة غيرها.
وهنا نقدم سردا توثيقيا لعمليات تبادل الأسرى التي تمت بين الكيان الصهيوني من جهة والفلسطينيين واللبنانيين والدول العربية من جهة  ثانية:

 

بلغت عمليات تبادل الأسرى وجثث الجنود الإسرائيليين بين الدول والقوى العربية المختلفة وإسرائيل منذ حرب م1973 حتى الآن 15 عملية تبادل ، وفي حالة قيام حزب الله بتبادل الجنديين الأسيرين مع المعتقلين اللبنانيين في سجون إسرائيل ستكون هذه هي عملية التبادل رقم 16 في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي منذ عام م1973.
وكانت عمليات تبادل الأسرى وجثث الجنود بين إسرائيل والدول العربية والمنظمات الفلسطينية واللبنانية
قد مرت بسلسلة طويلة من العمليات فيما يلي أبرزها:


1 - بعد شهر على حرب أكتوبر1973م جرت أول أكبر عملية لتبادل الأسرى بين مصر وإسرائيل بعدما أسرت القوات المصرية عددًا كبيرًا من الجنود الإسرائيليين.


2 - في 3 ـ 1974م أفرجت إسرائيل عن 65 أسيرًا فلسطينيًّا مقابل إطلاق سراح جاسوسين إسرائيليين في مصر.


3 - في 1 ـ 6 ـ 1974م أفرجت إسرائيل عن 25 أسيرًا سوريًّا ومغربيًّا واحدًا مقابل إطلاق سراح سوريا أسرى إسرائيليين غير معروفين.


4 - في 6 ـ 6 ـ 1974م أفرجت إسرائيل عن 367 سوريًّا وعشرة عراقيين وخمسة مغاربة مقابل إطلاق سوريا لسراح 56 أسيرًا إسرائيليًّا.


5 - في 14 ـ 3 ـ 1979م أفرجت إسرائيل عن 76 فلسطينيًّا مقابل الجندي الإسرائيلي في قوات الاحتياط أبراهام عمرام الذي وقع في الأسر إبان عملية الليطاني بعد أن ضل الطريق وهو متجه إلى مدينة صور على يد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة منذ 1978م.


6 - في 2ـ 3ـ 1983م أطلقت إسرائيل سراح 4700 من رجال المنظمات الفلسطينية من سجن أنصار في الجنوب اللبناني و 65 أسيرًا من السجون الإسرائيلية مقابل إطلاق سراح ثمانية جنود من قوات الناحال أسروا في منطقة بحمدون في لبنان في شهر أيلول عام 1982م أسرت حركة فتح ستة منهم وأسرت الجبهة الشعبية - القيادة العامة - الاثنين الباقين.


7 - في 28 ـ 6 ـ 1984م أطلقت إسرائيل سراح 311 أسيرًا سوريًّا مقابل ستة إسرائيليين في القنيطرة على هضبة الجولان في أكبر عملية تبادل للأسرى بين الجانبين منذ عام 1974م.


8 - في 20 ـ 5 ـ 1985م أفرجت إسرائيل عن 1150 أسيرًا فلسطينيًّا ولبنانيًّا وعدد من الأسرى العرب مقابل الإفراج عن ثلاثة جنود إسرائيليين "حزاي يشاي ويوسف غروس ونسيم سالم" أسروا في لبنان على يد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل. وقد استمرت المفاوضات بين الجانبين نحو ثلاثة أشهر.


9 - في 10 ـ 9 ـ 1985م أفرجت إسرائيل عن 119 لبنانيًّا معتقلين في سجن عتليت: ليرتفع بذلك عدد الأسرى العرب المفرج عنهم منذ 4 ـ 6 ـ 1985م إلى 1132، وذلك مقابل إطلاق سراح 39 رهينة أمريكية كانوا محتجزين على متن طائرة بوينغ أمريكية تابعة لشركة "تي دبليو إي" في حزيران من العام ذاته.


10 - في 11 ـ 9 ـ 1991م أفرجت ميليشيا جيش لبنان الجنوبي عن 51 معتقلاً لبنانيًّا من سجن الخيام ، وقامت إسرائيل بتسليم رفات تسعة مقاتلين من حزب الله .


11 - في 13ـ 9ـ 1991م سمحت إسرائيل بعودة النقابي الفلسطيني المبعد علي عبد الله أبو هلال واستردت في المقابل جثة الجندي الدرزي سمير أسعد الذي أسرته الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في عام 1983م. وكانت السلطات الإسرائيلية قد أبعدت علي عام 1986م.

 


12 - في 21 ـ 10 ـ 1991م أفرجت منظمة الجهاد الإسلامي لتحرير فلسطين عن أستاذ الرياضيات في الجامعة الأمريكية في بيروت "جيسي تيرتر" 44 عامًا في مقابل أن تطلق إسرائيل سراح 15 معتقلاً لبنانيًّا بينهم 14 من سجن الخيام.


13 - في 7 ـ 96 سلمت إسرائيل 123 جثة لرجال منظمات سقطوا في اشتباكات مع القوات الإسرائيلية إلى السلطات اللبنانية مقابل استعادتها جثتي الجنديين رحاميم الشيخ ويوسف بينيك. وأطلقت منظمة "حزب الله" في إطار هذه الصفقة سراح 19 جنديًّا لحديًّا ، وأطلقت القوات اللحدية سراح 20 أسيرًا من منظمة "حزب الله".


14 -  في 25 ـ 6 ـ 1998م قامت السلطات الإسرائيلية بإعادة 40 جثة لشهداء لبنانيين خلال عملية تبادل للجثث تمت بين إسرائيل ومنظمة حزب الله تم بموجبه تسليم رفات الرقيب إيتامار إيليا من وحدة الكوماندوز في سلاح البحرية في القسم العسكري في مطار اللد ، مقابل إطلاق سراح 60 أسيرًا لبنانيًّا (10 من السجون الإسرائيلية 50 و من سجن الخيام التابع لجيش لحد الجنوبي) و 40 جثة لشهداء لبنانيين. وقد تم إخراج الجثث من مقابر الأرقام 38 جثة و 2 من مشرحة أبو كبير إحداهما جثة هادي نصر الله نجل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله ، وتشير مصادر مطلعة أن الجثث التي أخرجت من مقبرة جسر بنات يعقوب قد أخرجت من ثلاث مناطق في المقبرة ، وهي الجنوبية التي تبدأ بالأرقام من 122 والغربية التي تبدأ من 272 والجنوبية الشرقية التي تبدأ أرقام قبورها من 412 فصاعدا.


15 - في 29 ـ 1 ـ 2004، أفرجت إسرائيل عن مجموعة من الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين ، مقابل إفراج حزب الله عن رون أراد وجثث جنود إسرائيليين آخرين فقد أفرجت عن 32 أسيرا (22 لبنانيا 10و عرب) كانوا أمضوا أعواما طويلة في السجون الإسرائيلية، في إطار أكبر صفقة تبادل بين « حزب الله » وإسرائيل بعد مفاوضات رعتها ألمانيا واستمرت نحو 40 شهرا من «القتال» بالشروط والشروط المضادة.وكان في مقدمة الأسرى المحررين الذين اطلوا على الطوفان البشري الذي جاء لاستقبالهم الشيخ عبد الكريم عبيد والحاج مصطفى الديراني.


بعد هذه الصفقة الأخيرة ، وعدت إسرائيل بالإفراج عن عميد الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية
" سمير القنطار " ، وعدد آخر من الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين، ولكن إسرائيل أدارت ظهرها لوعودها التي قطعتها للوسيط الألماني، ولم تعد تفكر في الإفراج عن أي أسير لبنانـي أو فلسطيني.

 

بدا لافتاً أن الشيخ نصر الله أمين عام الحزب ، الذي سبق أن قال أن المرحلة المقبلة ستكون لـ «الحالات الصعبة والمستعصية»، أشار بالفم الملآن إلى أن إسرائيل ستندم لاحتفاظها بالقنطار.

 

والذين يتقنون فن قراءة «الأوراق المستورة» في ملف الأسرى لدى «حزب الله» يقولون أن نصر لله ذاهب إلى المطالبة بالإفراج عن أصحاب الحالات المستعصية من أسرى الـ 48 ، من الفلسطينيين الذين يحملون جنسيات إسرائيلية ، فالسلطة الفلسطينية ممنوعة من المطالبة بإطلاقهم وإسرائيل مطمئنة إلى وجودهم في السجون ، مما يفتح شهية «حزب الله» على «القتال» بهذا الملف التفاوضي الصعب.لكن لعل ظنهم كان في غير محله (!!)

 

كيف أدار حزب الله معركته مع الكيان الصهيوني بشأن الأسرى
لقد استطاع حزب الله أن يحرر أسري الصفقة الأخيرة مع العلم أن القضايا العالقة بين لبنان والكيان الصهيوني كانت بسيطة جدا بعد الانسحاب الإسرائيلي من طرف واحد من جنوب لبنان ، وترسيم الحدود بالخط الأزرق ، مما ضيق الخناق على حزب الله والحركات المقاومة ، إلا أن ضيق ميدان المواجهة لم يمنع حزب الله من الإمساك بأوراق اللعبة بيديه ، فلم تتجاوز مساحة ميدان المواجهة 40 كيلومترا ، وهي مساحة مزارع شبعا ، التي انتزع بشق النفس شرعية المواجهة فيها ، ثم أضاف إليها الأسرى الثلاثة ، فالعقيد المتقاعد الحنان تننباوم ، وبهذه الذخيرة المحدودة قياساً بإمكانات إسرائيل وقدراتها اللامحدودة ، بدأ المواجهة الفعلية الصعبة : اشتباكات محدودة زمنياً في المزارع غايتها كما قال شخصياً أكثر من مرة : «التذكير بوجود الاحتلال الإسرائيلي لجزء من الأراضي اللبنانية ، ومحور اشتباك آخر هو قضية الأسرى ، الموجودين في قبضته، فعلى مدى ثلاثة أعوام متتالية ، جعل نصر الله قضية هؤلاء الأسرى جبهة اشتباك وتشابك حامية مع الإسرائيليين ، وتحديداً في كل مرة كان " أرييل شارون يحاول أن يجمد القضية أو يواريها عن الأنظار ، إبعاداً منه لتأثير الحزب وتحاشياً للمواجهة معه. وعليه ، كان نصر الله يبادر إلى إثارة الرأي العام الإسرائيلي بتوجيه نداء لعائلات الأسرى عنده ، مناشداً إياهم التحرك لأن «زعيمهم» يتجاهل القضية عمداً ، ولا يجيب عن طلبات الحزب بإتمام صفقة التبادل، وعندما كان الإسرائيليون يردون على هجمة نصر الله عليهم بالزعم أن الأسرى الثلاثة صاروا في عداد الأموات ، كان يرد بإجابات مبهمة لا تقطع الشك باليقين ، فلا يؤكد المزاعم الإسرائيلية ولا يصدر عنه ما يثبت العكس ، وجل ما قاله لهذه الجهة: «إذا كنتم تريدون التعامل مع القضية على أساس أنها جثث فليكن ، ولكل شيء ثمنه».

 

وفي مرحلة لاحقة كان يستخدم أسلوبا آخر، فيفتح الباب على مواجهة ميدانية إذ يعلن انه على استعداد لخطف مزيد من الجنود الإسرائيليين إذا كان العدد الحالي الموجود لديه لا يكفي، ولأن إسرائيل اعتادت على اخذ كلام هذا الرجل وتصريحاته بجدية والتعامل معه من باب انه يفي دائماً بما يعد به، دخلت معه في تفاوض غير مباشر، بعدما انتقى هو الوسيط الألماني من جملة عروض بالوساطة أتته من أكثر من جهة، والأمر في هذا المجال، محسوب بدقة أيضا عنده.

في البداية رفع سقف شروطه إلى حدها الأقصى.
ـ إطلاق جميع الأسرى اللبنانيين.


ـ إطلاق جميع الأسرى الفلسطينيين والعرب.


ـ كشف مصير جميع المفقودين اللبنانيين والعرب أو إعطاء معلومات عنهم.


ـ إعطاء خرائط عن مواقع الألغام التي زرعها الإسرائيليون وعملاؤهم من ميليشيا أنطوان لحد (جيش لبنان الجنوبي) في الأراضي اللبنانية.

 

المستحيل آنذاك قيل أن الرجل يطلب المستحيل ، وانه مع هذه الشروط والمطالب التي يضعها لا يريد إتمام الصفقة ، خصوصاً أن إسرائيل لن تسمح له بمد يده إلى الشأن الفلسطيني والعربي ، لذا قد تقبل بالتفاوض معه على مطالبه اللبنانية.

 

لكنه صمد على شروطه ومطالبه ، وهذه الخاتمة تظهر أن إسرائيل نزلت عند غالبية شروطه خصوصاً ما يتصل منها بالجانب غير اللبناني ، وأبعد من ذلك ، استطاع أن يحقق نصراً عاجلاً ولكنه مهد الأجواء وترك الأبواب مفتوحة لنصر آجل ، مستفيداً من رفض إسرائيل إطلاق عميد الأسرى العرب " سمير القنطار"، وبمعنى آخر، ووفق مصادر « حزب الله » وتقديراته ، لم تكن ثمار الحدث الأخير فقط قبول إسرائيل بالدخول في تفاوض مع حزب تعتبره إرهابيا وتسعى ليل نهار لسحقه وتغييبه عن الواجهة ، والإقرار بعقد صفقة معه تستجيب فيها غالبية مطالبه في لحظة من أكثر اللحظات حراجة بالنسبة إلى العرب والمسلمين ، وفي مرحلة تبدو فيها إسرائيل سيدة الموقف ، مطلقة اليد ، بل أن الانتصار الأكبر هو أن نصر الله يبرز ورقة جديدة في اللعبة لا يستهان بها ، بعد ما قيل لكثيرين انه يفقد أقوى أوراقه بإتمام الصفقة ، إنها ورقة الطيار الإسرائيلي المفقود في لبنان منذ العام 1986 رون آراد ، والتي ربطتها إسرائيل ولأسباب داخلية بورقة الإفراج عن سمير القنطار.


هل سترضخ إسرائيل لمطالب حزب الله؟


كانت إسرائيل تضمر في عدم إطلاقها القنطار، إنقاص قيمة النصر الذي يحققه إتمام الصفقة للحزب، والتخفيف من هالته ووهجه، فإذا بنصر الله يعلن على الملأ انه
قادر على اللعب بورقة جديدة، وفي إمكانه مواصلة المواجهة مع الكيان الصهيوني، وذلك من خلال العملية الأخيرة، ومما لا شك فيه أن هذا الكيان سيرضخ في النهاية لشروط حزب الله، ويقوم بعملية التبادل.


في أوساط الحزب مقولة مفادها أن سماحة السيد نصر الله محكوم دوماً بالبحث عن أوراق لمواجهة إسرائي، خصوصاً عندما يصبح ميدان المواجهة العسكرية معها صعباً بفعل الضغوط الكبيرة عليه ، وبمعنى آخر ها هو يخرج
«من كمّه» ورقة أخرى ، سيحقق معها لا شك حضوراً في مجال المواجهة مع إسرائيل، والرجل في هذا الميدان بات بصيراً في معرفة ما تضمره إسرائيل من سياسة قوامها نزع الذرائع والأوراق من يدها ، لذلك كان سريعاً في الإجابة عن معلومات شاعت في الآونة الأخيرة عن امكان انسحاب القوات الإسرائيلية من مزارع شبعا، فقدم معادلة جديدة فحواها انه لن ينسحب من مجال المواجهة معها، هذا الجواب القاطع وجد مجاله الحيوي في إعلان نصر الله انه يقبض على ورقة جديدة موجعة لإسرائيل ، أو على الأقل مقلقة لها ، لا يمكن ان تضرب الصفح عنها أو تتجاهلها ، والى أن يحين وقت انتهاء مفعول هذه الورقة ، فالسيد نصر الله كان يترك المجال مفتوحاً أمام كل الخيارات بما فيها خيار أسر مزيد من الجنود الصهاينة .

وهنا أدرك شارون وجورج دبليو بوش انه في سبيل تفعيل خارطة الشرق الأوسط الكبير وإيجاد دورا متعاظما للكيان الصهيوني  ( إسرائيل) فليس هناك خيار إلا نزع سلاح حزب الله وهنا بدأ تفعيل هذا الملف على أرضية طائفية وهى الدور الإيراني الشيعي الممتد من إيران حتى جنوب لبنان.

 

مستقبل سلاح حزب الله

 

     ترافق الحديث عن نزع سلاح “حزب الله” مع المطالبة بنشر الجيش اللبناني جنوبا. لم تقدم هذه الورقة لناظر الخارجية كولن باول، عندما التقى "الترويكا" اللبنانية في قصر بعبدا. وثمة في الجنوب نوع من الترقب.

 

"التدجين" لم يبدأ عالي الوتيرة بعد، لكن هناك من يرى، رغم "تقليدية" الخطاب اللبناني حول نشر الجيش، أن هذا الأمر ممكن، لأنه قد يعني للمواطنين الجنوبيين دخولا في مسار استقرار للأوضاع، يختلف عن تلك المراحل التي أقصي فيها الجيش عن تلك المنطقة. أيا تكن الخيارات فالموضوع مفتوح بطبيعة الحال، لاسيما وأن قطعا لا بد وأن يحدث مع الماضي، بعد الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000. 

 

يحدد نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ما طرحه باول على الرؤساء الثلاثة بالنقاط الثلاث التالية: سحب سلاح الحزب من الجنوب, انتشار الجيش اللبناني وأخيرا خروج القوات السورية من لبنان.

 يفصل قاسم في رد الرئيس لحود، وهو رد بات معروفا يتركز حول انسجام الحزب مع الدولة وهو مقاومة، وان الجيش هو فعليا في الجنوب مع القوى الأمنية، وليست وظيفته حماية أمن إسرائيل. أما الثالث فبالتأكيد على الحاجة للقوات السورية التي تنظم بوجودها العلاقات المشتركة واتفاق الطائف والأوضاع الداخلية اللبنانية التي تتطلب بقاءها.

 

يصف قاسم الضغط الذي قاده باول بأنه يستهدف ثلاثة ملفات: العراق وفلسطين ولبنان. والترتيب الذي يضعه قاسم له دلالاته. فالعراق أولا، وفلسطين ثانيا ولبنان ثالثا. علما أن كل ملف من الثلاثة يساند الآخر أو يمهد له. في الأول هناك إجراءات اتخذتها سوريا. وفي الثاني كان رد كل من سوريا وإيران ولبنان أن خيارات الشعب الفلسطيني هي الأساس. ما يعنينا الآن هو الثالث.

 

يرى قاسم أن الأمريكيين بحاجة إلى بعض الوقت لاستكشاف نتائج احتلالهم للعراق وترتيب شؤونه، وتبين فعالية خارطة الطريق ونتائجها، فإذا استمروا بالضغط على لبنان بما يتعلق بحزب الله يكونون قد تجاوزوا مرحلتين لم تنضجا بعد. لذا اعتبر أن حدود الضغط السياسي هي التي رأيناها، ولا جديد في الوضع السوري اللبناني الى أشهر، بالحد الأدنى بانتظار ما سيحصل في العراق وفلسطين. لكن هذا لا يمنع من استمرار الحديث السياسي الأمريكي عن مطالب لدى سوريا ولبنان.

 

يستنتج قاسم أن الوضع معلق إلى أشهر بانتظار التطورات انطلاقا من التداخل الكبير في الملفات. ولكن لو كان هناك اطمئنان أمريكي إسرائيلي بأن ضربة خاطفة لحزب الله تنهك قواه لقاموا بها كعملية استباقية، توفر عليهم خطوات مستقبلية. لكن لاعتقادهم أن مثل هذه المغامرة غير مضمونة، وقد تقود إلى ردود وتهديد الساحة الإسرائيلية بما يربك خطواتهم .. يحاولون أن يحققوا بالسياسة في الملفين مما يوفر عليهم خطوات تتعلق بلبنان وسوريا, أما أن يكون الهدف سوريا فهذا يعني قلب الطاولة على عملية التسوية في الشرق الأوسط.

 

ومثل هذا القرار أصعب من القرار الأول لتداعياته السياسية التي قد تجد نتائج تجعل المنطقة مفتوحة على أعمال لا يمكن ضبطها وترتد بالتالي على ما تعتبره أميركا وإسرائيل إنجازا في الموضوع الإسرائيلي.

هذا هو تحليل الشيخ قاسم حرفيا.

موقع حزب الله

    

الأوضح في ما ذكره قاسم هو هذه الفترة الانتظارية نظرا لتداخل الحلقات. مما يعني أن ملف حزب الله كجزء من الملف اللبناني السوري مستأخر لأشهر ريثما تظهر نتائج الملفين المستعجلين: العراقي والفلسطيني. 

السيد هاني فحص، يقرأ موقع "حزب الله" بالعلاقة مع الوضعين الإيراني والسوري، وهذان الوضعان هما مصدر حياة وضبط وانضباط الحزب، الذي هو مشروع إيراني بقدر ما هو مشروع سوري، يقول فحص: أن "حزب الله" المقاوم المناضل هو مشروع سوري أيضا بالنظر إلى التزامات سوريا الوطنية والقومية وثمرة لموقعها الذي لا يستطيع أحد تغييره. أما مشروع " حزب الله " ، المشروع الفكري الإسلامي الأممي فلا يمكن أن يكون مشروعا سوريا. وسوريا تسهم في حفظ علاقتها به وحفظه في الساحة اللبنانية، إذا استطاعت أن تؤثر في عقله في هذا الاتجاه.

 

والملاحظ أن سوريا تقترب الآن أكثر فأكثر من طريقة إيران في التعاطي مع الأحداث الكبرى، بدءا من أفغانستان وحتى العراق، أي إعطاء سلامة سوريا الأولوية الأولى ومحاذرة الدخول في مغامرة غير محسوبة كما فعل النظام العراقي. يعني ذلك الاستعداد لتقديم تنازلات محدودة حفظا لكيانها وموقعها ومستقبلها ومنعا لمغامرة أمريكية إسرائيلية. إذن سوريا إلى مزيد من الاعتدال. ومن الطبيعي أن يمتد هذا الاعتدال إلى المتفاهمين معها والذين لهم علاقة تضامنية حقيقية بها وفي الطليعة "حزب الله".



يصف فحص “سلاح حزب الله” بأنه تفصيل، إذا كان البحث في العمق. إذ أن هذا الحزب لن يستطيع الاستمرار في حمل السلاح إلى آخر العمر.

 

هناك تحديات أكبر من السلاح. ينطلق فحص نحو شرح احتمالات الوضع في فلسطين ومصير خارطة الطريق... فإذا كان شارون مقتنعا أنه لا يستطيع إنجاز تسوية في أي حدود وكان يفكر بالهجوم لإلزام العالم بمترتبات ممانعته للت