|
رسالةٌ من العالِـمَين مفتاح والديلمي
تنقل صور التعذيب داخل الأمن السياسي
منقول عن موقع صحيفة البلاغ
26 نيسان / أبريل 2005م
وَجَّهَ العالِـمَان مفتاح والديلمي كلٌّ على حدة رسالةً إلى الندوة التي أُقيمت
يومَ الخميس الماضي، والتي كانت خاصّةً بمناقشة دستورية المحكمة الجزائية
المتخصّصة، عرضا فيهما ما تعرضا له من أشكال وأنواع التعذيب وإنتهاك حقوقهما
الدستورية والإنسانية، واحتوتا على بعض الصور التي شاهداها داخلَ زنازن الأمن
السياسي وما يتعرضُ له السجينُ داخله.. كما ذكرا أمثلةً لما تقومُ به المحكمةُ
الجزائيةُ من حرمانهما من حُقوقهما القانونية..
نص الرسالتين:
رسالةُ العلامة يحيى الديلمي إلى الندوة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخوة والأخوات رؤساء وأعضاء المنظمة اليمنية للدفاع عن الحُقوق والحريات ومنظمة
هود ومنظمة المرصد المحترمون
تحيةَ ألم وأمل نهديكم من أعماق السجن المركزي، ألمٌ لما يعانيه الإنسانُ اليمني من
ظلم واضطهاد وقهر واستبداد باسم العدل الذي هو اسم لله عز وجل في بيت العدل.. في
المحكمة.
المأساة الحقيقية التي لمسناها أن كل الجرائم والانتهاكات التي مورست ضدنا وما زالت
تمارَسُ في بيت العدل.
لقد تم اختطافُنا من أمام المساجد بيوت الله منذ ثمانية أشهر، وأُخفينا عن أهلنا
وأقاربنا في غياهب الأمن السياسي لتمارَسَ ضدَّنا كلُّ أنواع الإرهاب والتعذيب
النفسي لمدة أربعة شهور، ثم نُقلنا إلى السجن المركزي المكان المعدِّ للقتلة
واللصوص والمجرمين ومن نبذهم المجتمع لنعيشَ تحت أيدي السجانين الذين مارسوا ضدنا
بالذات أساليبَ قبيحة، لنُنقلَ من زنزانة إلى أخرى ونُعاقبَ في إحدى نزوات ما تُسمى
بالمحكمة في زنزانة لا تليقُ حتى بالحيوانات لقذارتها، ليس معنا فرش ولا بطانية مع
مجموعة نبذهم مجتمعُ المنبوذين.
والمصيبةُ والطامّةُ أنه لا يوجدُ لنا ذنبٌ يُذكرُ، فكلانا خطيب مسجد، نُعلِّمُ
الناسَ من المنبر مُستمدَين شريعتنا من القرآن والدستور والقانون، وها نحن نُحاكمُ
لأننا نُعلّمُ الناسَ دينَنا العظيمَ الذي يُأمرُ المسلمَ أن يكونَ حُراً كريماً
(إن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين).
ولأننا نحملُ فكرَ ومُعتقدَ الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب،
ونؤمنُ بحقنا في التعبير عن آرائنا ومعتقداتنا ونشرها بكل الوسائل السلمية وفي ظل
القبول بالرأي الآخر في إطار الدستور والقانون.
إن كل ما يمارَسُ ضدنا من جرائم ما هو إلا محاولة عقيمة لإلغاء الرأي الآخر وحرية
الفكر ومحاولة في قمع كل حر وكل صاحب فكر، وبما أننا الحلقةُ الأضعفُ في المجتمع
كوننا ليس لنا تيارٌ حزبيٌّ ولا نملكُ السلاحَ القبليَّ وليس لنا ظهرٌ إلا الله بدأ
تنفيذ المخطط الآثم بداية بنا ثم كل من يحمل فكراً أو رأياً مخالفاً لهم.
ولكن يبقى الأملُ في مُؤسسات ومُنظمات المجتمع لتقفوا صفاً واحداً لمقاومة هذا
الظلم الآثم، ولتفضحوا ما تمارسُه ما تُسمى بـ»المحكمة الجزائية المتخصصة« لتكشفوا
كل الجرائم التي وقعت علينا من خلالها.
فهذه المسماة بالمحكمة ما هي إلا صورة من صور الظلم والقهر في بلادنا، والاختراق
للدستور والقانون والشريعة الإسلامية بل وكل القوانين والأعراف الإنسانية في
العالم.
هذه المسماة بالمحكمة التي أهدرت جميعَ حقوقنا من منع المحامين من ملف القضية،
وإخراجنا قسراً من المحكمة، وتنصيب شخص منهم لم نوكلْه ولم نأذنْ له ليترافعَ بدلاً
عنا، إلى آخر الانتهاكات التي تعرضَ لها أقاربُنا وأصدقاؤنا في بوابة معقل الظلم
هذا من السب والشتم وإطلاق الرصاص الحي والإرهاب بالمصفحات والرشاشات وكل أنواع
الإرهاب والانتشار الرهيب للجنود والاعتقالات لأقاربنا وأصدقائنا.
الأخوة والأخوات: ما نحن إلا مثالٌ بسيطٌ لما تمارسُه هذه المحكمة ضدَّ أبناء وطننا
الغالي، وكم هو الظلم الذي مُورس ضدَّ مواطنين أمام هذا المعقل.
نحن بحاجة إلى التكاتف والتعاضد لكي نعيشَ في مجتمع تسودُه المساواةُ والعدالةُ،
يحتكمُ فيه الجميعُ للدستور والقانون، ولن يكون ذلك إلا بمنع أية جهة من استغلال
نفوذها لخرم وهدم الحقوق والحريات وانتهاك الدستور والقانون، وإلغاء المحاكم
الاستثنائية ومعاقل الظلم والتي منها المحكمة الجزائية المتخصصة.
ويبقى الأملُ فيكم في بناء الوطن وإصلاحه ولتكونوا الصخرةَ القويةَ التي تتكسرُ
عليها أمواجُ الفساد والطغيان والظلم.
وفي الأخير نشكرُ لكم إجتماعَكم وإهتمامَكم بالوطن وقضاياه، وها نحنُ نضعُ أيدينا
بأيديكم لبناء وطن سماؤه قضاءٌ عادلٌ ومستقلٌ.
أخوكم/
يحيى حسين الديلمي
*********
رسالةُ العلامة محمد مفتاح إلى الندوة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي كتب على نفسه الرحمة، وحرَّمَ الظلمَ بين خلقه، وأمر بالعدل
والإحسان ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وصلاتُه وسلامُه ورحمتُه وبركاتُه على
خاتم النبيين الباذل للإنصاف من نفسه وماله، وعلى آله الذين أحيى اللهُ بهم قيَمَ
العدل والحق وأصحابه الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، وعلى المؤمنين الأخيار في
كل زمان ومكان الذين لا تأخذُهم في الله لومةُ لائم.
والتحيةُ وجزيلُ السلام لكم أيها الأخوة المنظمون لهذه الندوة والمشاركون فيها،
والشكر الجزيل لكل من أسهم في إقامتها..
وبعد..
فإن المسؤولية الشرعية والأخلاقية تلقي على عواتقنا مهمة جسيمة ألا وهي دفع الظلم
ونصرة العدل ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وتعرية بؤر الفساد وكشف حقيقتها للمجتمع
ليتخذَََََ إزاءها الموقفَ الصحيحَ، ولا ينخدع بالزخارف والمظاهر المضللة التي
تتسترُ وراءها هذه البؤرَ.
لقد اتضحَ لي من خلال فاجعة الاعتداء عليَّ وعلى أولادي وزوجتي ونهب ممتلكاتنا
ومختصاتنا وودائع الناس والأمانات التي لدينا، ومن خلال أطوار هذا العدوان أن بعضَ
مُستنقعات الظلم والفساد مُموَّهَةٌ بعناوين مخادعة وبراقة فهي كالحية ناعمٌ
ملمسُها والسمُّ الناقعُ في أحشائها.
وقد لا يستطيع أحد اكتشاف حقيقتها إلا عندما يكتوي بنارها ويستعر بلظاها.
((إن من البديهات أن مَن يدّعي أنه حارسُ النظام والقانون يجبُ علىه أن يكونَ أحرصَ
الناس على احترام ما يدّعي الوصايةَ عليه والحراسةَ له، وقد اتضح بما لا يدعُ
مجالاً لشك ولا مدخلاً لريب بأن الأجهزة الموكل إليها هذه المهمة في بلادنا هي
أشدُّ إهانةً وأوسعُ خرقاً للأنظمة والقوانين من أي فرد أو مجموعة قد تلم بشيء من
ذلك)).
بل إن بعض الأجهزة بُنيت خارج القانون وتعملُ باسمه لسحق كل ما هو نافع وقويم،
وتتغاضى عمّا يفسدُ الحياةَ والمجتمعَ إن لم تكن مُتورطةً بشكل أو بآخر في دعمه،
ومن هذه الأجهزة ما يسمى بأجهزة الضبط، والتي منها البحث الجنائي الذي لا يخفى
عليكم ما ترتكبُه من جرائم تعذيب ونهب وابتزاز، وكم من بريء أقرَّ بما ليس عليه أو
مات تحت التعذيب، ونتيجةً لذلك فكم من بريء قد حُكم بعقوبات جائرة من حبس وغرامات،
بل وقد يُحكمُ بإزهاق روحه رغم براءته في الواقع.
ومنها ما يُسمى بجهاز الأمن السياسي الذي يمارسُ أبشعَ أنواع الإرهاب والتعذيب
النفسي والجسدي، وهو بالنسبة لي أحدُ الأطوار الفاجعة التي أعاني منها مع جميع
عائلتي.
لقد اطلعتُ خلال محنتي هذه على فظائع بشعة تمارَسُ في مُعتقلات هذا الجهاز التابع
لمكتب رئاسة الجمهورية، فهو يخترقُ القانونَ أثناء القبض على المطلوبين له، فيلقي
القبضَ عليه بدون أوامر خطية يعرضُها عليهم ويرسلُ عناصرَه متخفين بلباس مدني
ويمتنعون عن التعريف بأنفسهم أو إبراز ما يثبتُ تبعيتَهم، ويأتون في غير أوقات
الدوام الرسمي، ولا يُراعون حُرمةَ المساكن، والمساجد، ودور العلم، وبالجُملة لا
يستطيعُ الضحيةُ التفريقَ بين أسلوب وعناصرَ هذا الجهاز وأسلوب وعناصرَ العصابات.
وقد تعرضتُ خلال شهرين لمرتين من هذا الإعتقال الهمجي، ففي المرة الأولى تم خطفي من
باب الجامع الكبير بالروضة بعد إمامتي للناس في صلاة المغرب، وكان بجانبي ابني
البالغ من العمر إحدى عشرة سنة وأخوه البالغ حوالي سبع سنوات، والذي أُصيب بصدمة
نفسية وعصبية فَقَدَ على أثرها الوعيَ والقدرةَ على الكلام لليلة كاملة، ولا يزالُ
يعاني من حالة خوف شديدة إلى الآن، رغم مرور ما يقارب عشرةَ أشهر.
وكان ذلك نتيجةَ الهمجية التي شاهد عناصرَ الأمن السياسي وهم يتعاملون بها معي من
السحب وتصويب الأسلحة والجلبة والترويع.
وفي المرة الثانية تم خطفي أثناء عودتي بعد يوم عمل مرهق ابتدأ من الفجر ولم ينته
في الساعة العاشرة ليلاً، وقد تم ترويعُ الطفلين سالفَي الذكر حيثُ كانا نائمين في
السيارة فاستيقظا على مُشادات وبنادق مُصوبة نحو صدر والدهما وباب حوش المنزل مفتوح
والسيارة مضاءة ومشغلة ومهيأة لينزعَها أيُّ سارق.
أما بعد ذلك فحدِّثَ ولا حرج فمعتقلُ الأمن السياسي ليس سوى مشرحة بشعة تمزَّقُ
فيها الأنظمةُ والقوانينُ ويُستهانُ فيها بحق الإنسان وكرامته.
حيثُ يتم تجريدُ المعتقل من ملابسه وانتزاع كل حاجياته فور وصوله ولا يبقى معه سوى
ثوب واحد رغم البرودة داخل المعتقل، ويخضعُ المعتقلُ لتفتيش مُخجل لا يستثني أيَّ
عضو في بدنه، ويُمنعُ عنه كلُّ شيء سوى مياه الحنفية وكمية الأكل الرديئة المخصَّصة
لكل سجين، وفي عبارةٌ عن أربع كدم لليوم والليلة سيئة التجهيز، وغالباً ما تكونُ
تحملُ في طياتها ما يُكرِّهُها إلى نفس السجين، وقد عثرت على واحدة وبها وصلة شعر
بارزة وكبيرة تقدرُ بنصف حجمها.
وفي الصباح والمساء يُؤتى بقليل من الفول أو الفاصوليا الرديئة جداً والتي غالباً
ما يرفضُها السجناءُ ويلجئون لها عند الضرورة، إضافة إلى مقدار كوب من مشروب يُسمى
مجازاً بالشاي، والغداءُ نفرٌ من الرز مع قليل من الطبيخ، وعلى هذا الحال تمر
الأشهر والسنوات.
إن الدورَ تحتَ الأرضي الذي مكثتُ فيه قرابة شهرين ونصف هو أبشعُ مكان في المعتقل
كما أظن، فالزنازنُ الفرديةُ التي فيه وطريقةُ معاملة المعتقلين كلُُّها جرائم ضد
الإنسانية، حيثُ يتم إخفاءُ السجين عن أهله وإنكارُ وجوده لمدة لا تقل عن أسبوع وقد
تصل إلى سنوات، وقد تم إخفائي عن أهلي لما يقارب شهراً، وعندما يتم الاعترافُ بوجود
السجين لديهم يكونُ بعبارات غامضة وغير مطمئنة لتبدأَ عملية متابعة السماح بزيارة
السجين والتي قد تُمنعُ لأشهر أو سنوات، وقد مُنعتُ من الزيارة لما يُقاربُ شهرين..
وقد اتضح خلال الشهرين والنصف التي قضيتُها في الدور تحتَ الأرضي أن بعضَ المعتقلين
يعانون من تقييد أرجلهم بالحديد بصفة دائمة، حيث أُدخلتُ أنا في الزنزانة رقم (٩)
في الجناح الغربي وأنا أسمعُ أصواتَ القيود من فجر »16 سبتمبر 2004م« وحتى نقلتُ
منها القيودُ لا زالت نسمعُ في أرجل نُزلاء حوالي ست زنزانات من 13 زنزانة.
وأكثرُ السجناء لا يدري أهاليهم بمصيرهم ولا يزورهم أحدٌ، وبعضُهم له مدةٌ طويلةٌ
كما سمعتُ أحدَهم يقولُ: بأن له أكثرَ من سنة وثلاثة أشهر، وهو لا يدري عن أهله
شيئاً.
وبعضُ السجناء كانوا جرحى جراحُ بعضهم بليغةٌ جداً كما عرفتُ من خلال إنزال أحدهم
بالزنزانة المجاورة لي رقم (8) والذي فقد إحدى رجليه وربما كانت به جراحات أخرى..
وبعضُ السجناء مرضى بشكل مُستمر، ولا يكفون عن الأنين والبُكاء كما سمعتُ نزيلَ
الزنزانة رقم (١١)، (12) ومع ذلك العنايةُ الصحيةُ مفقودةٌ، ويبقى السجينُ يئنُ
ويشكو لأيام حتى يُسمحَ لطبيب المعتقل بزيارته ليقررَ هل يلزم إسعافُه أن يُعطى
بعضُ العقاقير التي تبقى لدى الحراس وأحياناً يضيّعونها أو يخالفون بينها.. ويبقى
السجينُ داخل زنزانته لا يغادرُها إلا بضع دقائق لدورة المياه التي يُسمحُ له
بزيارتها أربعُ مرات في اليوم والليلة، وإذا حصل له طارئ قد لا يُسمحُ له بدورة
المياه إلا بعد مشقة وعناء، ويقومُ حراسُ السجن بإغلاق الحمام عليه من الخارج
ويظلون خلف الباب يحثونه على السرعة وإذا أبطأ قد يتم فتحُ الباب عليه.
والسجينُ هنا يجبُ أن ينسى شكل الشمس، وقد قضيتُ شهرين ونصف من الشتاء بلا شمس
مُطلقاً، والسجينُ هنا منقطعٌ كلياً عمّا يدورُ خارج زنزانته فالصحفُ ممنوعةٌ
والقلمُ ممنوعٌ والورقُ ممنوعةٌ والكلامُ ممنوعٌ، وحتى اسم السجين ممنوعٌ، ويتم
استبدالُه برقم الزنزانة التي ينزلُ فيها، ويُنادى برقم زنزانته فقط، وإذا أخطأ أو
نسي فله الويلُ، فالهراواتُ هنا كثيرةٌ!!!!!!!.
وسرعان ما يتعرضُ السجينُ للصفع والإهانات لأتفه الأسباب والحراسةُ هنا أكثرُ من
مُشددة، فالجنودُ لا يغادرون بوابة الجناح دقيقة واحدة، يحصون على السجناء كلَّ
نفس، إذا قال أحدُ السجناء »لا إله إلا الله« سرعان ما يأمرُه الجنودُ بأن يقولَ في
نفسه فقط!!!، وإذا رفع صوتَه بتلاوة القرآن يقالُ له كذلك، واللحظةُ الوحيدةُ التي
يستطيعُ السجينُ الكلامَ فيها هو وقتُ الأذان، فكلُّ سجين مسموحٌ له أن يرفعَ صوتَه
بالأذان فقط.
أما الزيارةُ بعد السماح بها لمن سُمح له فهي نوعٌ من التعذيب حيث لا يُسمحُ لأكثر
من شخصين بالزيارة بشرط أن يكونا من أقرب الأقارب كالوالدين والأولاد والأخوة
والزوجة، ولا تزيدُ مدةُ الزيارة عن خمس دقائق يومَي الخميس والجمعة فقط، ويُمنعُ
حتى الاتصال بالمحامي، وهذه الزيارة يتعرضُ خلالها السجينُ وزوارُه لمضايقات شديدة
من تفتيش مشدد جداً إلى احتشاد مجموعة كبيرة من عناصر الأمن السياسي وإحاطتهم
بالسجين وزواره بشكل مُستفز، ويحولُ بين السجين والزائر سياجان من الحديد بينهما
مسافة حوالي مترين.
وقلما تسمعُ كلمةً من الزائر بسبب المضايقات الكريهة، وما يأتي به الزائرُ معه من
ملابس وأكل يُردُّ أكثرُها بإعتبارها ممنوعات، والباقي يفتشُ حتى يتعرضَ للتلف،
فالخبزُ يمزقُ، والكعكُ يكسرُ والبطاطُ يفتتُ، والشربةُ أو المرقُ تجوبُها المجسات
القذرة حتى التمرة تشق نصفين. أما إذا طلب السجينُ أيَّ كتاب ووصل الكتاب إلى يد
مدير السجن فقد يبقى الكتابُ تحت الفحص لياليَ وإياماً حتى يتم إما السماحُ به أو
مصادرتُه..
ومديرُ السجن هُنا يدّعي أنه أعلمُ من شيخ الأزهر، فقد منع دخولَ دُعاء زين
العابدين، ومنع كتابَ نهج البلاغة بشرح أبرز مَنْ تولى مشيخة الأزهر الشيخ الإمام/
محمد عبده رحمه الله.
ومن الممنوعات أدوات الحلاقة ومقص الأظافر والمرآة، هذا جزء مما تيسر لي كتابته عن
هذا المعتقل، أما التحقيقاتُ فهي تجري غالباً في الليل، ويتم تقييدُ اليدين وعصبُ
العينين، وتعريضُ السجين للضغط النفسي وتهديدُه بالتعذيب وإخضاعُه للتعذيب، وقد
سمعتُ بكاءَ وعويلَ أشخاص بعد التحقيق معهم وأثناء التحقيق.
أما النيابةُ -مع إحترامي وتقديري للنزيهين فيها- فقد أصبح دورُها إضفاءَ المشروعية
على ما يجري من انتهاكات في البحث والأمن، وأبرزُ مثال ما يُسمى بالنيابة الجزائية
المتخصِّصة التي أبرزُ أعمالها نصبُ الشباك للأبرياء وتلفيقُ التهم الكاذبة وإضفاءُ
المشروعية على القمع والتعذيب ومصادرة الحقوق والحريات، بل إن هذه النيابةَ مع
محكمتها ليستْ إلا شُعبة من شُعَب جهاز الأمن السياسي، فرئيسُُُُ هذه النيابة
يحضرُُُُُ بنفسه بعضَ تحقيقات الأمن، ويشرفُ عليها، ولديه مكتبٌ داخل مقر الأمن
السياسي. وعناصرُ هذه النيابة لا يحترمون القانونَ، ويصادرون حُقوقَ الضحية في
الدفاع ويخولون لأنفسهم إقتحامَ منازل المواطنين ونهبَ ممتلكاتهم خارج القانون كما
جرى معي، حيث تم اقتحامُ منزلي بدون حضوري ولا حضور وكيلي، وخارج وقت الدوام، وتم
نهبُ بعض ممتلكاتي ومختصاتي ومختصات زوجتي وأطفالي مثل أشرطة الفيديو والكاست
الخاصة بالمناسبات العائلية كالأعراس وغيرها.
أخوكم/ محمد احمد مفتاح
|